الرئيسية ثقافة وفنون أدب سرد الهويّة وهويّة السرد في الرواية التونسيّة

سرد الهويّة وهويّة السرد في الرواية التونسيّة

0 قراءة ثانية
0
0

” دانتيلا ” لمحمد علي اليوسفي … و”القيامة … الآن ” لإبراهيم درغوثي

بقلم : فوزي الديماسي

إنّ الرواية عمل أخطبوطيّ ، تتجاور فيه جميع الأجناس الأدبيّة وتتحاور، وهو نصّ منفتح ومنغلق في الآن نفسه ، منغلق لأنّه عالم مخصوص له أسسه ومعالمه ، ومنفتح لتعدّد المرجعيات فيه والسجلاّت ، والرواية كما الأعمال الأدبية جميعها ليست بالعمل المفارق ، ولا بالعمل المحايث للآن والهنا ، وإنما هي بين هذا وذاك ، يتجاذبها قطبان ( الذاتيّ / الموضوعيّ) وهذه الذات المتجذّرة في واقع مّا ، وفي زمن مّا ، لها خصوصيّتها وهويّتها التي تؤثّر في النصّ ، ثمّ إنّ هذه الذات ليست في حلّ من الروابط الاجتماعية والحضاريّة والمعرفيّة ، ومن هذه الزاوية تجد مشروعيّة طرح سؤال الهويّة قادحها ، إذ لا يثار سؤال الهويّة في شخصيّة تكتفي بعالمها ، وتنكفئ فيه ، ففكرة الهويّة تنبثق حينما تتخطّى الأسوار الثقافيّة للأنا ، وتواجه بالمغايرة الكليّة ، وبالتعدّد (*) وقد لعبت عديد الأحداث في علاقتها بالأنا دور المرآة ، ومن بين هذه الأحداث المفصليّة حملة بونابارت على مصر، وحقبة الاستعمار ، وهزيمة 67 ، والتطوّر العلمي الذي شهده الغرب ، مقابل تخلّف الأنا وتقهقرها ، والرواية العربية سواء بسواء كالأوضاع العربيّة غير منعزلة عن التأثيرات والتفاعلات السلبيّة والإيجابيّة التي تعيش داخلها ، والتي تتحقٌّق ذاتيّتها سلبا أو إيجابا في مواجهتها ، وهذا يمكن أن يثير ما نسميه بجدل الأنا والآخر أو الداخل والخارج (*) وهذا الجدل الدائر بين الأنا والأخر نجد له صدى بأشكال مختلفة وطرق شتّى في الأعمال الروائيّة التي تحكي التفاعل مع الآخر المغاير والمتفوّق ، والرواية كما الدراسات الحضاريّة تعدّدت زوايا رؤيتها للآخر وأشكال تفاعلها معه

سرد الهويّة :
في رواية ” القيامة الآن ” لإبراهيم درغوثي لعب التراث دورا رئيسا في تجذير مفهوم الهويّة داخل النسيج النصّي ، وذلك بالتعويل على مصادر كالقرآن ونلحظ ذلك في تعدّد الآيات القرآنيّة المبثوثة في الفضاء النصّي والمتحدّثة عن البعث والنشور وأشراط الساعة ، وتعويله في عديد المواقع السرديّة على بعض الآيات القرآنيّة من قبيل ” وإذا وقع عليهم القول أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلّمهم ” (*) ، والسنّة النبويّة من خلال الاستناد لبعض الأحاديث التي رواها أبو هريرة على امتداد النصّ ، كما تمّ استثمارها في بنية السرد ، كما كان حضور الأساطير حضورا مكثّفا أيضا ، كقصة الأعور الدجّال الذي يخرج على الناس راكبا دابّته إيذانا بنهاية الحياة العاجلة
أمّا في رواية ” دانتيلا ” لمحمد علي اليوسفي ، فمعالم الهوية جاءت في النصّ على شكل مواقف على لسان الشخصيّات في متن الحكي ، وقد لعب صراع جابر الطرودي مع قدره في المدينة دورا في كشف علاقة الأنا ( القرية – الماضي – الأب – مريم ) بالأخر ( المدينة بتناقضاتها ) كما كشف صراعه في القرية قبل أن ينتقل إلى( المدينة / الآخر) أيضا عن فشل ذريع في أن يكون هو أباه أو هوهو ، فالطرودي في الرواية عنوان تمزّق نفسي وحياتي يتجاذبه قطبان ( القرية – المدينة ) ففي تجربة الذات / الأب رصد في قوله فشله في الحفاظ على ذاته / الأب حيث جاء على لسانه قوله : ” ظهري يقصد العاصمة ووجهي ينظر إلى الخلف ، إلى ما فعلته بحياتي ، ولا سيّما في الأعوام الأخيرة : درست ففشلت ، عملت في الحقول والمزارع ، كتبت حروزا وجلبت غائبين لم يأتوا ، وآخرين أتوا ، حللت أكثر من معقود لأنّه اعتمد عليّ فاعتمدت عليه . لكنّني لم أعد إلى رواية حكاية واحدة . سكنت الحكايات حياتي فصرت أنا الحكاية . كان والدي ، قبل وفاته ، قد اكتسب موقعه في القرية ، وسلطته خارجها ، من الكتب الصفراء والسير الشعبيّة ، والمربّعات ، وآداب المعبر ، وتمييز الرؤيا ، والأخلاط الأربعة ، وأسرار الحروف ، أمّا أنا فقد لبّيت نداء خفيّا ، بدأ بالخروج من كتب أبي ، ثمّ دفع بي إلى مغامرات محمومة لصنع قدري ، فتعثّرت في عيش حياتي ” (*) وفي المدينة خاض تجربة الجنس مع بائعات الهوى مع ريم وسارّة وكتب الشعر ( قصيدة النثر تحديدا كدلالة على موقف حضاريّ من الهوية ) إلاّ أنّ مريم النحّال ابنة القرية ( الماضي ) مثّلت له أوتاد خيمة سكنه وامتلائه ، والشعور بالأنا رغم بعدها عنه الهنا والآن ، وفشله في إعادة البريق والتهوّج لعلاقتهما التي أصبحت في حكم الماضي رغم التلاقي الذي جمع بينها في المدينة ، وذلك في قوله : ” أمر مفرح أنّها حاضرة . إنّني أكبر بامتلاكها . أمتلك ماضيّ ولا أتحسّر على شيء . خفت أن تفلت منّي هذه الفرصة المربكة . أمشي إلى جانبها . تمشي إلى جانبي . أكبر بامتلاكها . ما ألذّ آلام مريم في مفاصلي – ومتاعبها في خطواتي . أشعر بالتقصير ثمّ أعود إلى امتلاكها .أمتلكها وأملأ بها الماضي . لم أخطئ إذا … ” (*) كما بيّنت تجاربه مع دليلة وجانيت ( امرأة من خيال ) عمق الحيرة العاتية التي يحياها جابر الذي لم يستطع أن يحافظ على إنيّته كما لم يستطع أن يكون حداثيّا ويقطع مع الأب / الماضي ، وإنّما بقي معلّقا بين هذه وتلك ، فمريم ( الماضي / الحاضر ) مثّلت بالنسبة لديه شيئا يطلبه في الحياة ولا يدركه ، ودليلة صاحبة البيت الذي يسكن فيه كانت عنوان متعة مثلها كمثل ريم وسارة ، أمّا جانيت فهذه المرأة التي تسكن روحها في سقف (البيت المسكون) المقدودة من أساطير الناس وخيال جابر المحموم دلّلت على وضعيّة جابر الحضاريّة والتي لخّصها في وصف دليلة باللحم وجانيت بالروح .
نصّ ” القيامة … الآن ” كان نصّا مستندا إلى التراث بمختلف أشكاله في بناء عوالم الحكي ، كما استند إلى النصّ القرآني والنصّ النبوي بشكل أساسيّ ، فكانت هويّته ( العربية / الاسلاميّة ) حاضرة بامتياز ، وواضحة لا تتطلّب عميق تفكير ورؤية ثاقبة للتدليل عليها ، فالنصّ بذلك هو نصّ عربيّ لحما ودما في مقابل نصوص أخرى تحتفي برموز عالميّة على غرار سيزيف أو زاردشت أو عشتار … ، ولكن هذا لا يعني الانغلاقيّة والتقوقع على الذات وإنّما كانت الرواية منفتحة على التراث الإنساني كعنوان للتجذّر والانفتاح معا وفي الآن نفسه ، وذلك نلمسه في التصدير مثلا : ” لئن اتّبعت الشيطان يا رب ، فإنّي أظلّ ابنك لأنّي أحبّك ، ولأن في نفسي سبيلا إلى الفرح الذي لولاه ما وجد الكون . ” (*) وفي نصّ ” دانتيلا ” كانت المدينة حاضرة بصور تكشف عن موقف من الهويّة التي يريد الكاتب الكشف من خلال أقواله وأفعاله عن ملامحها ، فجابر الطرودي كان يمثّل جيلا كاملا مشدودا إلى تراثه ( مريم ) ويرنو في الآن نفسه إلى التقدّم ( جانيت ) هذه المرأة المقدودة من خيال والمعلّقة روحا في السقف

هويّة السرد :
كانت الرواية التقليديّة تقوم على وحدة الزمان والمكان ، وعلى السببيّة في ترابط الأحداث ومنطقيّتها ، حيث يتّسم الزمان بالأفقيّة ، ونعني به التدفّق من الماضي إلى الحاضر ، وقد كانت الشخصيّة في الرواية التقليديّة شخصيّة واضحة المعالم الفيزيائيّة والنفسيّة والفكريّة ، مسيطرة على الجغرافيا ، متحكّمة في الحيّز المكاني ، وكذلك الأحداث كانت تسير سيرا حثيثا نحو نهايات متوقّعة ، لا تسفّه انتظارات القارئ، واللغة في مثل هذا الجنس كانت تقريريّة مبتعدة عن التعقيد ، ولعلّ النفس التسجيليّ هو من كان ينسج خيوط العمل الروائيّ ، والرواية الحديثة ضربت بالاطمئنان السردي عرض الحائط ، لتدشّن بذلك جنبا إلى جنب مع قصيدة النثر العربيّة عصر كتابيّا مغايرا ، يقوم على كتابة المغامرة ومغامرة الكتابة ، وقد تعدّدت أوجه المغامرة في هذا الباب ، فانقلبت الشخصيّة إلى شخصيّة ورقيّة لا تمتّ للواقع بصلة ، وغير واضحة المعالم ، فجابر الطرودي في رواية ” دانتيلا ” شخصيّة تعانق الضعف والضياع والحيرة العاتية ، كما جاء على لسانه يصف تمزّقه بين ماضيه وحاضره : ” عتمة خفيفة . ثمّ يلوح ضوء بعيد . أستعيد شريط الماضي. أراني أركض ، ألعب ، كاف الحجر ، الحقول ، النهر ، أمّي ، مريم هناااااك … ماذا فعلت ؟ لا أريد العودة . أسرع نور يجذبني . أتقدّم مدوّ بسرعة فائقة . أفرح . لي قدرة على الحبّ. النور ؟ النور يتدفّق من كلّ اتّجاه ؟ يمحو الظلال ، يقشّر الألوان ، يلغي الأجسام ، يغيب كلّ حضور عداه ، لا مادّة إلا النور ، ولا مكان إلاّ الهنا . لا إيقاع إلاّ للجوهر، حضور لها نهائيّ لوجود مرئيّ . الصمت يتكلّم أخيرا . الباطن هو الظاهر ، الظاهر هو الباطن ، . الضوء حاضر . لم يعد يتحرّك متدفّقا .صار هو النبع . متخلّصا ممّا سبق وممّا لحق . النبع الذي تحرّك ذات يوم موغل في القدم ، من أجل تعاقب الخليقة . أنا فيه ، وهو في جوهر الكون (*) علاوة على تداخل الأزمنة والأحداث ، واختلاط الواقعيّ بالأسطوريّ ، واختلاط الأسطوريّ بالخياليّ ، كما جاء ذلك في رواية ” القيامة … الآن ” للدرغوثي على لسان الراوي : ” يومها حدث زلزال عظيم ، تحرّكت الجبال ذات اليمين وذات الشمال ، وطفى الماء في البحار والمحيطات . وتساقطت ناطحات السحاب الواقفة في شوارع ” نيويورك ” على الأرض وتحوّلت في غمضة عين إلى ركام من البلّور المهشّم والفولاذ والحديد ، وظهرت الدابّة شيئا فشيئا حتّى بلغ رأسها السحاب ، وما خرجت رجلاها من التراب . هرب الناس في كلّ الاتجاهات وتنادوا إلى الفرار (*) فمثلا الدابة – التي تنتمي إلى زمن محدّد – تدخل مدينة بنيت حديثا مثل مدينة نيويورك ففي ذلك تداخل لامحالة بين زمنين متباعدين كما تحمل بين طيّاتها رؤية حضاريّة للأشياء ، حتّى اللغة بدّلت مواقعها في الرواية الحديثة ، فابتعدت عن التقريريّة ، لتعانق في عديد المواطن مرتبة الشعريّة ، وزيادة على أنّها مخزن الوجود ، وحمّالة تاريخ الإنسان وتراثه وثقافته وطرق رؤيته للعالم وإقامته فيه ، جعلتها الرواية الحديثة تغازل التجريد والشطح اللغوي ، بعيدا عن نقل الواقع وسرد الأحداث ووصف الشخصيّات والإطارين الزماني والمكاني ، إنّ ما يميّز النصّين الروائيّين هو الكتابة بطرق حداثيّة ، قطعت مع الكتابة التقليدية التي عرفناها مع نجيب محفوظ وحنّا مينه على سبيل الذكر لا الحصر .
هويّة السرد في الروايتين كانت مغايرة للمتن … بعبارة أخرى ، إنّ سؤال الهويّة الموغل في الإنيّة الذاتية يحتويه إطار حداثيّ ، وهذا في حدّ ذاته يعكس موقفا حضاريّا وسطيّا وبالتالي يجيب عن سؤال حضاريّ : أيّ الطرق نسلك لنخرج من حالة التخلّف ؟ هل نرجع للماضي السعيد ونعيش مستقبلنا من خلال ماضينا ؟ أم نقطع مع ” النحن ” وننخرط في ” الآخر ” ؟ أم نتّبع الغرب ونحافظ في الآن نفسه على هويّتنا ؟

—————————————–
الهوامش :
(*) الرواية العربية وتعدّد المرجعيّات الثقافيّة : سلالات وثقافات – د. عبد الله ابراهيم – أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي الحادي عشر – ديسمبر 2004 – ص 15
(*) هل هناك خصوصيّة للرواية العربية : محمود أمين العالم – مجلة فصول – المجلد السادس عشر – العدد الثالث – شتاء 1997 – ص 11
(*) سورة النمل – الآية 82
(*) رواية دانتيلا : محمد علي اليوسفي دار الفارابي ط 1 – 2005 ص 13
(*) نفس المصدر – ص 55
(*) القيامة … الآن : ابراهيم درغوثي – دار الحوار للنشر والتوزيع – سوريا – ط 1 – 1994
(*)رواية دانتيلا : محمد علي اليوسفي دار الفارابي ط 1 – 2005 ص 106
(*) القيامة … الآن : ابراهيم درغوثي – دار الحوار للنشر والتوزيع – سوريا – ط 1 – 1994

 

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أدب

اترك رد