الرئيسية تونس أخبار وطنية ذكريات مهربة من سجن المرناقية

ذكريات مهربة من سجن المرناقية

5 قراءة ثانية
0
0

بقلم: أحمد النظيف*

معذرة يا صحبتي

لم تثمر الأشجار هذا العام

فجئتكم بأردأ الطعام

و لست باخلا, و إنما فقيرةٌ خزائني

مقفرةٌ حقول حنطتي

معذرة يا صحبتي, فالضوء خافت شحيح

و الشمعة الوحيدة التي وجدتها بجيب معطفي

أشعلتها لكم (صلاح عبد الصبور)

 

أحمــــــد النظيف

عزيزي القارئ ،أن وجدت وقتا لقرأة هذه الأشياء المكتوبة أدناه ،فلك كل الشكر و المودة ،في زمن تعيش فيه أنت و غيرك بؤس البلاد ،فمن أين لك  عزيزي– بوقت أو جلد لقراءة هذيان كتبه احدهم كان يوما ما في سجن بائس ،خرج منه إلى الحرية كما يزعم فوجد نفسه في ثورة خرقاء .

***

كان ذلك في أحد صباحات شهر سبتمبر2007، شمس الخريف الخفيفة في الضحى تتسلل من شق نافذة سيارة ”أمن الدولة” الرباعية الدفع ،الطريق من وزارة الداخلية نحو شارع باب بنات حيث قصر العدالة – ولا عدالة- فبعد أن انتهت وجبات التحقيق القاسي الممزوجة بالتعذيب سرنا نحو قاضي لئيم كي يصدر فينا بطاقة إيداع في محتشد المرناقية – العزيز على قلبي كثيرا-

ما يهمني في كل هذا تلك اللحظة الأثيرة ، أني و حين نزلت من السيارة استنشقت بلهف و شوق و ذوق هواء الشارع اللذيذ ، زوج من العشاق كان يشق الطريق في وله ، أم تلاحق صغيرها و هو ينط هربا بين أحجار الرصيف ،ضجيج السيارات و دخانها يلعلع في السماء ، كلام الناس ،هذا ينادي ذاك ،طعم الحياة بعد أيام كنت أموت فيها كل يوم عشرات المرات ، ثواني من عمر الزمن عشت فيها كل ذلك الولع بالحياة . فقد كانت صورة رشيد ذلك الشاب الذي صلب أمامي في احد مكاتب الطابق الثاني في وزارة الداخلية ماتزال تلاحقني ،كان يهذي باسم أمه حينا و اسم حبيبته حينا أخر ،كان ذلك أخر عهدي به،فقد غبت عن الوعي أنا الأخر لحظتها، رأسي كان يغوص في سطل ماء خلط بمادة ”الجفال” .

***

لم تكن الحياة داخل السجن مملة بذلك القدر الذي يعتقده من يعيش الحرية خارج أسواره الحصينة، خاصة بعد أن تتحول من الزنزانة إلى المهجع الذي يضم جمهرة من المعتقلين بهم تغدوا الحياة أجمل بعض الشئ , كانت القراءة طقسا يوميا مقدسا ، كنت أالتهم كل ما تقع عليه يدي مما يمكن قرأته و كان الاستماع إلى ” الزرزور ” و هي كنية سجين يترنم بمواويل صباح فخري و نوادر كوكب الشرق، تقليدا يوميا لا محيد عنه , و كان الخميس عيدا أسبوعيا فيه يلتقى الواحد منا الأهل و يأكل من طبيخ أمه اللذيذ و يرى الشمس و السماء و الأفق البعيد خلال سيره من المهجع الى غرفة الزيارة ، أما الصحف فلم تكن في المتناول إلا جريدة ”الحرية” ،لسان حال الحزب الحاكم انذاك، كنا نقرواها حرفا حرفا فحتى صفحة الوفيات لم تكن تسلم من نهمنا و جوعنا الثقافي الحاد، غير انه و في كل هذه الأثناء كانت النفوس نهبا لمشاعر شتى و أعظمها الشوق للام و أناملها و هي تدغدغ شعرك المجعد حتى تنام على ركبتها كالصبي .

و كان هشام جعيط رفيقي في السجن ،لم يكن بجسده المتهالك أو بسيقاره الفاخر ينفث دخانه في زنزانتي الرثة ،بل بكتبه، بأفكاره، بمنهجه الذي يحفر في التاريخ الصلب كنملة قنوعة حتى يروضه بعد حين،أبحاثه حول السيرة النبوية و بناء المدينة الإسلامية و الفتنة و توابعها كانت عزاء لي عن حريتي الجسدية المفقودة ، دراساته المتحررة من سلطة التاريخ و المقدس و المتمردة على دكتاتورية الفقهاء الخرقاء تعطيني إحساسا بأني حر حتى و لو كنت مصفدا.

رفيق أخر كنت أدندن أشعاره المرحة، الشاعر الشهيد ، بلقاسم اليعقوبي ، ذلك الأسمر الذي ينتمي إلى مجموعة ”الصعاليك” ذاتها التي شكلت و صنعت و صاغت السيرة النضالية و السياسية و الثقافية،الموازية لهذا الوطن ،وعيه الوطني الديمقراطي و انتمائه الطبقي و الفكري الحاد و الصارم والقصووي انعكس جليا في نتاجه الشعري الجميل و الرائق -أقله بالنسبة لي كمنتمي مناطقيا للجنوب و أفهم جيدا كلمات قصائده العذبة – ،كان بلقاسم وعيا ثقافيا مقاوما ضد النظام بكل أشكاله ،ضد السلطة السياسية ،ضد السلطة الاجتماعية ، ضد الامبرايالة و الأهم ضد النزعات اللاوطنية في حوانيت المعارضة ،فالموقف الديمقراطي و الحقوقي لدى بلقاسم اليعقوبي محكوم ضرورة و حتما بالسيادة الوطنية ،رجل لم يفقد البوصلة حتى استشهاده في سجن صفاقس في 24 أفريل 2001 وحيدا لم يمشي جنازته سواء نتف من الناس و بعض من نخل مدينة دوز الشامخ و كثير من الصمت و الأسى .

***

كان يوم الخميس في مهجعنا الذي نسكن داخل سجن المرناقية يوم عيد بل أكثر، انه يوم الزيارة الأسبوعية , كنت استيقظ باكرا منذ ساعات الصباح الأولى أستعد للقاء أمي , كانت الدقائق تمر دهرا ، من حسن حظي كان اسمي يبدأ بحرف الألف أي أني على راس قائمة من يتمتعون بالزيارة ، يهتف السجان ”نظيف” عندك زيارة . انطلق كالصبي الصغير استحث الخطى نحو الباب أولا من اجل رؤية الشمس و السماء و الأفق الرحب و ثانيا شوقا لامي ، كانت ابتساماتها اللذيذة أول ما يقع عليها بصري المشوش ، كان والدي يسرع في الحديث كي نستغل كل دقيقة من دقائق الزيارة العشر و كنت في الأثناء أحاول أن املأ بصري من وجه أمي …أما الآن فاني اشتاق لصوته فقد رحل بعيدا.

كان كل يوم ينهرني عن النوم حتى الضحى قائلا بوعيه الميتافيزقي الوثوقي: ”إن الله يوزع الأرزاق باكرا فقم كي تظفر بنصيبك” ،كنت ابتسم قليلا و أعود مختفيا تحت غطائي الدافئ ،حين تتعرف عليه أول مرة يبدو لك قاسيا ذا شخصية صلبة غير انك سرعان ما تكتشف فيه اللين و خفة الدم ،دائم الابتسامة ,حين زارني أول مرة في المعتقل لم يصدق أني بعد حي كان يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحا كعاشقٍ خطَّ سطراً في الهوى ومحا،و اليوم وقد رحل بعيدا كم أتمنى أن يأتيني كعادته في الصباح حتى يذكرني بحديث توزيع الأرزاق و ينهرني عن النوم حتى الضحى ، قد يقــــتلُ الحزنُ مَنْ أحبابه بعُدوا عـــنه فكــــيف بمَــنْ أحبابُه فُقِدوا.

و ليس أشد على الأمهات من البعد عن أبنائهن ،تقدمت رويدا نحو شباك الزيارة ، تراءى لي من بعيد وجه أمي ،كان بريق عينيها يخترق بلور النافذة وصولا إلى عيني أو هكذا أحسسته يومها ،حين رفعت السماعة و هطلت في أذني نبرتها العذبة و كأني حرا آنذاك أنط في ردهات بيتنا و هي تلاحقني ،لم تبكي يومها ,غير أني بكيت ،كانت طول الوقت تسب النظام من رأسه حتى أخمص قدميه ,سألتها حين خرجت: ”ألم تكن تخشى بأسهم”فأجابت :بأن هوس الأمهات بأبنائهن أعتي من كل شئ ،أمر قدسي ليس للعقل فيه دخل.

***

كانت الفسحة من أجمل أوقات السجين داخل محتشد ”المرناقية” و لم يكن أجمل منها غير ”الخميس العظيم ” يوم الزيارة المشهود ، الفسحة و مجالها الجغرافي المسمى في معجم المعتقل ” لارية ” تعد المتنفس الوحيد ، فيها ترى الشمس و تمعن نظرا في السماء و تملئ رئتيك بالهواء الخالي من رائحة الدخان القميئة ، تبدأ طقوس الفسحة بالسير بين أرجائها المتهالكة ذات البلاط المتشقق الأسود اللون من اثر الرطوبة و جدرانها المخضبة بشتى أنواع الكتابة ،البعض يكتب اسم حبيبته و أخر يخط اسم بلدته أو قريته ، و للناس فيما يكتبون مذاهب ، حين يرتطم جسدك بالهواء و الشمس تحس نفسك نهبا لمشاعر شتى ، شيئا عصيا على الفهم ، تحسه ولا تراه، كنت حينها و أنا أسير وحدي أتذكر أمي و قد اتخذت من ركبتها وسادة و هي تدغدغ شعري المجعد بأناملها الرقيقة حتى أغفو بين يديها ، كان عليا أن أتذكر ذلك في كل فسحة و احبس عبرتي في كل يوم.

كنت أرحل بالذاكرة بعيدا في الأعماق،أتذكر أيام الطفولة الغضة ، يعود بي الحنين الى شجرة التين الكبيرة التي كانت تتوسط باحة بيتنا،هناك في تطاوين الهادئة ،كانت أمي تجبرني على القيلولة ،فبعد أن تغفو أفتح باب الغرفة و أتسلل هربا إلى التينة الكبيرة،أصعدها كسنجاب جائع ،كانت أوراقها الكبيرة تقيني من لهيب شمس الظهيرة،أقطف ما طاب لي من ثمرها اللذيذ،كانت شفتاي تتورمان من حليب التين،و ألام البطن تعاجلني .فكما تعلمون تين الظهيرة ساخن يهطل على الأحشاء كالنار.

أتذكر بداية الصيف ،فواتح شهر حزيران – جوان ،حيث أستعيد شغفي بـــ”الجيلاط” تلك المثلجات الشعبية الباهرة،تصنع في البيوت من شراب الرمان أو اللوز المسكوب في كأس بلوري و يوضع داخله لوح خشبي فإذ تجمد داخل الثلاجة أخذ شكل الكأس،كان زهيد الثمن بـــ50مليم فقط ،كنت و أنت تتجول داخل المناطق الشعبية هناك في بلدتنا النائية و الحلوة ترى مكتوبا على الحيطان ”هنا يباع الجيلاط”،كانت أمي تنهرنا عن شرائه بدعوى انه ملوث ،ربما كانت تخاف على صحتنا و لكننا كنا نعتقد أنها مجرد دعاية كي لا نأخذ منها المال لشراء مثلجاتنا الرثة اللذيذة ،اليوم انقرض الجيلاط و عوضته أنواع فاخرة من المثلجات بنكهات عالمية متعددة ،غير انه يبقى الأحلى ،أقله عندي.

كنت اضحك لوحدي في الزنزانة حين أتذكر حادثة وقعت لنا أيام الدراسة الابتدائية صغارا،أذكر جيدا أننا أردنا يوما أن نورط  زميلا لنا، فوضعنا له صورة خليعة داخل كراس المحفوظات و حين خرج إلى الصبورة كي يعرض حفظه على المعلم صعق المعلم بوجود الصورة و أكرمه المسكين بشتى أنواع العنف المادي الضارية بعد أن حشره في الزاوية بين حيطان القسم المتهالكة و الحق يقال أن المعلم بعد أن فرغ من تفتيش الزميل تفتيشا دقيقا، وضع الصورة في جيبه و قد رايته بعيني التي سيأكلها الدود و التراب و جميع أنواع الحشرات الأرضية و لا نعرف حتى هذه اللحظة مصير الصورة .

***

ليس أشد علي في مهجعنا البائس من لحظة ‘’الحساب’’ عند الصباح ،يصطف السجناء في صفوف صغيرة يتكون الواحد منها  من خمسة أنفار ، يصطفون وقوفا فيذلك الفراغ الضيق بين الأسرة ,يلج السجان إلى المهجع و ينطلق في العد و لا يفوت الموقف كي يطلق عقيرته بالصراخ في وجوهنا بالكلام البذيء حينا و بالشتائم الزقاقية أحيانا أخري ,ما إن يرحل حتى ينط كل واحد منا إلى مخدعه عودة إلى نومته الدافئة ،منا من يكمل حلما له كان قد قطعه و منا من يبحلق في سقف المهجع بعد أن فر النوم من جفنه ،و كنت منهم و ألعن في صمت لحظة ”الحساب” التي سرقت مني حلمي فالأحلام في السجن فرصتك الوحيدة للسباحة في دروب أخرى غير المهجع و الزنزانة، خارج أسوار السجن الحصين.

***

كانت قوانين السجن و نواميسه تمنع حضور المرآة و كل مادة صنعت من حديد أو بلور …فأن لا ترى وجهك فذاك عذاب أخر من عذابات السجون ، و الحاجة أم الاختراع فيعمد المساجين إلى صنع مرآة مما توفر لهم من مواد بدائية ،أتذكر ذالك جيدا حين فرغت من صنع مرآتي الخاصة ببقايا ورق علبة ”كاك” صقلتها جيدا على ”كرتونة” صلبة حتى استوت مرآة تسر الناظرين ، و حين نظرت فيها و بدت لي ملامح وجهي أحسست و كأني أعيد اكتشاف ذاتي ، هو ذاته شعري المجعد وانفي المدور، هي ذاتها جبهتي العريضة ، في تلك الأثناء أخذتني العزة بما صنعت و رحت أتباهى بين رفاق السجن بما صنعت …لا اعلم ماذا حلا بها الآن تركتها ذات ليلة باردة حين غادرت زنزانتي نحو الحرية …لمرآتي العزيزة مودتي و خالص أشواقي.

***

بعد أيام عصيبة قضيتها في ”الانفرادي ” خلت أني قد أخطأت الطريق أو أن سجاني قد حملني إلى مهجع أخر فما هذا مهجعنا الذي عرفت ، الغرفة يلفها الصمت و الذهول زادها طقس الخريف كآبة ، علمت أن أحد رفاق السجن قد بلغه للتو نبأ وفاة أمه ، لمعت في ذهني صورة أمي ، ركنت إلى مخدعي و أمعنت النظر في النافذة الشاهقة أحاول إدراك مشهد الغروب القاسي ، مضت بي الذكريات بعيد ,تذكرت أمي تتفقد حرارتي حين أكون مريضا ، لثغتها العذبة و هي توقظني باكرا كي اذهب إلى المدرسة ، أناملها الحنون و هي تعقد لي خيوط حذائي المتهالك , قهوتها اللذيذة التي طغى فيها الحليب على البن تهطل على أحشائي ممزوجة بهوس الأمهات بأبنائهن في الصباحات الباردة .

لست أدري لماذا كنا نحن مساجين الانتماء – السياسيين – نعفى من ” الكرفي ” و هي عملية تنظيف المهجع ، كانت هذه العملية الشاقة حكرا على مساجين الحق العام غير أن ”الكونفة ” وهي عملية نقل السجين إلى سجن أخر أو إلى مهجع اجر كانت اقسي ما يمكن أن يتعرض إليه السجين داخل السجن فكانت بالنسبة لنا اقسي من السيلون – أي الانفرادي – فالكونفة تعني قطع علاقات اجتماعية حميمة ومحاولة بناء أخرى.

———

* أحمد النظيف أحد الذين أقاموا بسجن المرناقية في سنوات الجمر/ كاتب وإعلامي تونسي

المصدر: http://www.hakaekonline.com/?p=33966

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أخبار وطنية

اترك رد