الرئيسية أخبار عاجلة الأبعاد الديموغرافية للحراك الثوري الذي عاشته البلدان العربية

الأبعاد الديموغرافية للحراك الثوري الذي عاشته البلدان العربية

0 قراءة ثانية
0
0

عسلامة – محمد نجيب هاني

أخبار الربيع العربي و المسيرات و المظاهرات المنادية بتغيير الأنظمة الاستبدادية أصبحت زادا يوميا بالنسبة للمواطن العربي. و قد بدا واضحا منذ بداية 2011 تلك السنة الغريبة و الاستثنائية أن الشعوب العربية قد طفح بها الكيل و لم تعد تحتمل مزيدا من الطغيان و الفساد و التهميش و أصبحت تتوق إلى الحرّية و الكرامة مهما كان الثمن وأيّا تكن التضحيات. إن رؤية أحداث التاريخ المصيرية وهي تسفر عن نفسها أمام عينيك على شاشة التلفزيون أمر نادر و مثير للاهتمام. و هذا ما حدث معي طوال الفترة الماضية و أنا أتابع حلقات هذا المسلسل الدرامي و المثير والسريع بكلّ ما أثاره ويثيره من تكهّنات غامضة و متناقضة. أخيرا هذه شعوب تنزع عن كاهلها رداء الخوف و العبودية و تفصح عما لا تحبّه و تسمّي الظلم باسمه و لا تقبل شيئا اقلّ من الانعتاق و امتلاك مصيرها بيدها. المثالان الحضاريان اللذان قدّمتهما ثورتا مصر و تونس لم يتكرّرا في حالات أخرى كاليمن و ليبيا و سوريا و غيرها، حيث تعاملت الحكومات مع المحتجّين المطالبين بالحرّية بالرصاص الحيّ والقمع المتجاوز.

الثورات العربية 1

وسيكولوجية الاستبداد وفّرت لبقيّة الحكومات درسا مهمّا من حالتي مصر وتونس مفاده أن مبارك وبن علي تعاملا مع الاحتجاجات المطالبة بتغيير النظام بالكثير من الرقّة والنعومة. الحالة الليبية، من جهة أخرى، وما رافقها من عنف و قتل قدّمت درسا إضافيا في طريقة إسكات الاحتجاجات. لذا والحالة هذه، كان لا بدّ للحكومات من تجربة الخيار الثاني وهو اللجوء إلى العنف والقتل لإرهاب الناس وثنيهم عن مطالبهم. الشباب الذين رأيناهم على شاشات التلفزيون كانوا يدركون أنهم بلا حول ولا قوّة أمام السلطة الغاشمة للحكومات. لكن الحكومات تدرك مدى قوّتهم وهم يتصدّون مجتمعين ضدّ استبداد النخب الفاسدة. المصريون والتوانسة كانوا طليعة هذا التغيير التاريخي المشهود.

الثورات العربية 2

اليمنيون كانوا حضاريين في ثورتهم السلمية. النساء اليمنيات، على وجه الخصوص، فاجأن الجميع بجسارتهن ووعيهن وروحهن النضالية العالية. وعي اليمنيين بحقوقهم، وإصرارهم على مطالبهم رغم الرصاص والقتل البارد، والفعل الحضاري الذي ميّز انتفاضتهم يجعل منهم مثالا يُحتذى. في الأسابيع الأخيرة بدا أن الثورات العربية بدأت تفقد زخمها. وقيل أن ما سُمّي بالربيع العربي قد أوشك على الانتهاء في مواجهة الرصاص الحيّ والقنابل والغازات المسيلة للدموع. صحيح أن الثوّار المطالبين بالديمقراطية اظهروا بسالة منقطعة النظير في تصدّيهم لبطش الحكومات وقمعها. لكن المحصّلة النهائية لما يجري تتحكّم فيها عوامل أخرى من أهمّها المواقف الدولية والإقليمية والخوف مما يخبّئه المستقبل في حال ما إذا سقطت الأنظمة الحالية وحلّ مكانها أنظمة دينية متشدّدة. من جهة أخرى، تنشط قوى الثورة المضادّة في محاولة لإجهاض الحالة الثورية الحالية. وهناك الآن من يقول إن حالتي كلّ من مصر وتونس لم توفّرا بعد النموذج المنشود، لأن رموز العهد السابق أو الحرس القديم تحاول بأقصى استطاعتها الحفاظ على بنية النظام المنهار وإفراغ مطالب الثورة من مضمونها.

الثورات العربية 3

في بدايات هذه الثورات، وبالتحديد عندما حدثت الانعطافة الدموية للاحتجاجات في ليبيا والبحرين، كنت ممّن توجّسوا خيفة ممّا قد يخبّئه قادم الأيّام. ففي مثل هذه الأحداث المفصلية تكون أشباح التاريخ حاضرة. و الذي يحدث عادة انه عندما يستشكل على الإنسان فهم طبيعة ما يحدث وتخامره الشكوك بشأن المستقبل فإنه يتحوّل إلى الماضي. وخُيّل إليّ وقتها أن العالم العربي مقبل على حروب وفتن أهلية وطائفية ومذابح ودماء على غرار عهود الرعب التي شهدتها أوربّا والصين وروسيا في بعض مراحل تاريخها، وأن الحلّ البديل في هذه الحالة هو أن تبادر الحكومات إلى الإصلاح الذي طال انتظاره فتعطي شعوبها حقوقها وبالتالي تضمن استمرارها في الحكم وفقا لقواعد الديمقراطية وآليات تبادل السلطة. إن إسقاط أيّ نظام حكم مستبد لا يعني بالضرورة أن التغيير الايجابي أمر حتمي. أحيانا قد يخلف أنظمة الاستبداد حكومات ضعيفة وغير مستقرّة لا تستطيع استعادة النظام والأمن الاجتماعي ولا البدء في إصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية حقيقية.

الثورات العربية 4

مثل هذا حدث في فرنسا، ومعظمنا يتذكّر أسماء مثل دانتون وروبسبير ومارات، عندما فقد النظام الجديد مصداقيّته لدى الشعب بعد أن فشل في تحقيق مطالبه وحلّ مكانه في السلطة جماعات وقوى أكثر راديكالية ودموية جعلت الناس تترحّم على النظام القديم وتذكره بالخير وتحاذر من التغيير متذرّعة بالمثل الذي يقول إن الشيطان الذي تعرفه أفضل من الملاك الذي لا تعرفه. وأحيانا قد تتحوّل الثورات إلى حروب أهلية ثم إلى نزاعات إقليمية وربّما تؤدّي في النهاية إلى احتلال البلاد أو تقسيمها. والذين يتفاءلون بالمستقبل يقولون اليوم انه إن صحّ أن الثورات العفوية العربية شارفت على نهايتها وأن حلم الشعوب في التحرّر والكرامة أطفئ أو وضع على الرفّ، فإن مفاعيل وآثار هذه الثورات مكتوب لها أن تدوم وأن تستمرّ طويلا. والشيء المؤكّد هو أن حاضر ومستقبل العالم العربي سيكون حتما اقلّ استبدادا وأكثر ديمقراطية. ويجب أن لا ننسى أن الأسباب والعوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أدّت إلى ما نشهده اليوم لن تنتهي في وقت قريب. والأمر الذي لا شكّ فيه هو أن النخب الحاكمة ستكون أكثر وعيا وإدراكا بالأسباب التي دفعت الشعوب للنزول إلى الشارع مطالبة بالديمقراطية والحرّية والكرامة. إن دروس التاريخ تقول لنا أن من المستحيل سحق شعب يتوق إلى الحرّية والديمقراطية. فبذرة الحرية تسقيها دماء الشهداء، فتنمو وتقوى. وقد ثبت انه كلّما تعاملت الحكومات مع الشعوب بقسوة وعنف، كلّما انتشرت وتجذّرت قيم ومفاهيم الحرّية أكثر فأكثر منذ مدة أجرت مجلّة “دير شبيغل الألماني”ة حوارا مطوّلا مع عالم الاجتماع الفرنسي “ايمانويل تود” تحدّث فيه عن أسباب وآفاق الثورات العربية. و كان قد تنبّأ قبل أربع سنوات بحدوث الثورات في الشرق الأوسط. و عزا ذلك إلى عدّة أسباب أهمّها ازدياد مستويات التعليم خاصّة بين النساء، وانخفاض معدّلات المواليد والزواج بين الأقارب. وقال إن هذه المؤشّرات تدلّ على أن المجتمعات العربية تسير على طريق التحديث الثقافي والفكري الذي يصبح معه الفرد أكثر أهمّية كهويّة مستقلّة. ايمانويل تود يصف نفسه بأنه “هيغلي تجريبي” معنيّ بدراسة المسار العالمي للتاريخ. وهو يفضّل المؤشّرات الإحصائية على التفسيرات السياسية والإيديولوجية للأحداث. لذا يرى أن بنية العائلة والسكّان والنظام التعليمي عوامل أكثر أهمّية من النظام الاقتصادي. من أهمّ دراساته “تحوّل المجتمعات الإسلامية حول العالم” و “انهيار الإمبراطورية السوفيتية”. في ما يلي ملخّص بأهم ما قاله في المقابلة. “من الأفكار المغرية أن يتحوّل الأكاديمي إلى قارئ للحظ. وأنا فقط احلّل الأسباب قدر الإمكان. إن عملنا يشبه عمل عالم الجيولوجيا الذي يجمع العلامات الدالّة على زلزال أو انفجار بركاني وشيك. لكن متى يحدث الانفجار، وما هو شكله وقوّته؟ هذه التفاصيل لا يمكن التنبّؤ بها بشكل قاطع. المحلّلون المثاليون يفسّرون ما يحدث في العالم العربي اليوم على انه رغبة العرب في الأفكار الديمقراطية. بينما الماديّون يلقون المسئولية في الثورات الحالية على الاقتصادات العربية، بما في ذلك التضخّم وارتفاع أسعار المواد الغذائية. الثورة في العالم العربي قدر حتميّ. كان من الممكن أن تحدث كتطوّر تدريجي. الثورات الحالية ستنتهي بتحوّل الأنظمة السياسية. وقد نشهد اشتداد رياح الدمقرطة بحيث يتحوّل الرعايا في النهاية إلى مواطنين. ورغم أن هذا يتبع اتجاها عالميا، إلا انه يمكن أن يستغرق بعض الوقت. إن الديمقراطية نظام هشّ ويتطلّب جذورا تاريخية عميقة. فقد لزم الفرنسيين حوالي مائة عام منذ نشوب الثورة الفرنسية كي ينتقلوا إلى الشكل الديمقراطي للحكم الذي جاءت به الجمهورية الثالثة. هناك من يتحدّث عن نفوذ ما للإسلامويين في هذه الثورات. ولا يمكن استبعاد هذا، خاصّة عندما تكون السلطة مركّزة في الشارع. لكن لا اعتقد أن هؤلاء لعبوا دورا مهمّا في تونس أو في مصر. بل يبدو أن مسار الأحداث في مصر فاجأ الإخوان المسلمين وأخَذهم على حين غرّة. وهم يحاولون الآن تنظيم أنفسهم كحزب سياسي ضمن نظام تعدّدي. الثورات العربية نحّت جانباً الكليشيه الذي يتحدّث عن الخصوصية الثقافية والدينية التي تجعل الاسلامويين غير متوافقين مع الديمقراطية وتزعم بأن قدر المسلمين أن يُحكموا من قبل “مستبدّين عادلين”. إننا نشهد اليوم في العالم العربي نزع الطابع الاسلاموي عن المجتمعات العربية. وهذا سيستمرّ حتما مثلما نزع الغرب الطابع المسيحي عن المجتمعات الغربية. طبقا لقوانين التاريخ، فإن التقدّم التعليمي ونقص معدّلات المواليد هما مؤشّران مهمّان على تنامي العقلانية والعلمانية. ويجب أن لا ننسى أن فكرة الأسلمة نفسها ما هي إلا ردّ دفاعي مؤقّت على صدمة الحداثة. موت أسامة بن لادن حدث مهمّ ولا شك. لكن أشباحه ستظلّ تفتن الناس. و المعجبون به سيحاولون إبقاء شعلته متوقّدة. لكن التصرّف الوحشي الرهيب الذي ارتكبه الأمريكيون متمثّلا بطريقة قتله أتى في أسوأ لحظة. لقد ماتت القاعدة سياسيا قبل وقت طويل من مقتل بن لادن. القاعدة لم تكن أبدا منظمّة جماهيرية. كان وجودها في الأساس من خلال الدعاية لأعمالها، تماما مثل الجماعات الفوضوية في أوربّا في القرن التاسع عشر. بن لادن كان يشترك مع تلك الجماعات في البعد الرومانسي الذي يتحدّث عن البطل الأوحد الذي ينتقم لأجل المهمّشين والمظلومين. لقد فشل الرجل في الإطاحة بأيّ من الحكومات العربية. والحركات الشعبية التي نراها اليوم لا يجمعها رابط مع الأفكار الأسطورية من قبيل القومية أو الاسلاموية. بطبيعة الحال، يمكن استرضاء الناس بالخبز والمال، لكن لفترة محدودة. الثورات تنشب خلال مراحل النموّ الثقافي والانهيار الاقتصادي. وبالنسبة إليّ كشخص يهتمّ بالديموغرافيا، لا اهتمّ بمستويات دخل الفرد بل بمعدّلات التعليم. لقد هبطت معدّلات الولادة في العالم العربي بنسبة النصف في جيل واحد. نسبة المواليد في تونس اليوم، مثلا، مشابهة لتلك التي في فرنسا. ونصف سكّان العالم العربي اليوم أعمارهم تحت الخامسة و العشرين. في ليبيا و مصر و المغرب و الجزائر، هبطت النسبة إلى ثلاثة أطفال و طفلين لكلّ امرأة. هذا يعني أن الشباب يمثّلون غالبية السكّان. و بخلاف آبائهم وأمّهاتهم، يستطيع الشباب أن يقرءوا وأن يكتبوا، لكنهم يعانون من البطالة ومن الإحباط الاجتماعي. لم يكن مفاجئا أو مدهشا أن الاضطراب كان حتميا في هذا الجزء من العالم. و هذا هو السبب في أن الشباب الغاضبين يأخذون الثورة إلى الشارع، بينما هناك نقص في عدد المفكّرين و القادة الأكبر سنّا ممّن يتطلّعون إلى المستقبل. الشباب هم أيضا من قادوا الثورة في فرنسا و انجلترا. روبسبير كان في الثلاثين من عمره. و عندما سيق إلى المقصلة كان في السادسة والثلاثين.

الثورات العربية 5

خصمه دانتون كان شابّا هو الآخر لم يتجاوز عمره الثلاثين. الشباب أيضا هم من واجهوا الدبّابات السوفيتية في بودابست عام 1956م. والتفسير واضح، الشباب أكثر قوّة وأكثر قدرةً على أن ينتصروا. عصر الحداثة تأخّر كثيرا في الوصول إلى المجتمعات الإسلامية. السبب يكمن في طبيعة بنية العائلة التقليدية في تلك المجتمعات وفي تهميش دور النساء. الرسول محمّد أعطى النساء حقوقا أكثر بكثير مما تتمتّع به النساء اليوم في معظم المجتمعات العربية. عندما يستطيع أكثر من تسعين بالمائة من الشباب أن يقرءوا وأن يكتبوا وأن ينالوا قسطا معقولا من التعليم، لا يجب أن نتوقّع أن يستمرّ نظام استبدادي تقليدي في الصمود طويلا. هل لاحظتم أعداد النساء اللاتي كنّ يتظاهرن في هذه الاحتجاجات؟ حتّى في اليمن، البلد الأقلّ تنمية في العالم العربي، كانت آلاف النساء يخرجن إلى الشوارع ويشاركن في المظاهرات. العلاقة بين أولئك الذين في القمّة والذين في السفح تتغيّر هي الأخرى. عندما تبدأ سلطة الآباء في الوهن، فإن السلطة السياسية تبدأ في الانهيار هي الأخرى. كبير العائلة، كرأس للدولة، يضع أبناءه وأقاربه من الذكور في مراكز السلطة. السلالات السياسية تتغيّر، يجب التزام الحذر عندما نفترض أن العالم العربي يدخل الآن عصر الحداثة أو انه سعيتنق تلقائيا القيم الغربية والعالمية مثل الحرّية والمساواة وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. لاحظوا أن بوتين حظي بدعم غالبية الروس. ومع ذلك لا يمكننا القول بأن الديمقراطية في روسيا بلا عيوب”.

 

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أخبار عاجلة

اترك رد