الرئيسية ثقافة وفنون ابداع “مصر على شرفات الروح”

“مصر على شرفات الروح”

0 قراءة ثانية
0
0

بقلم: أحمد قران الزهراني*

على شرفات الوداع أنحو بنفسي جانبا كي أبلل مياه النيل ببعض قطرات من دموع الروح وآهة القلب..

هي مصر تسكن فينا ونسكن فيها ” وإن شردتنا الحياة “..
هنا وعلى شرفة مكتبي المطل على النهر الخالد أتصفح علاقتي بمصر منذ عشرين سنة حين أتيتها لأول مرة وكل شيء كان بالنسبة لي اعتياديا، لم أشعر حينها بفارق المناخ أو التضاريس أو الوجوه أو الأرواح أو حتى الطعام والأحاديث عن عروبة مصر وقيادتها للأمة العربية.
أستذكر تاريخ مقاومتها للمحتل وكيف يعود الى وجهته منكسرا ذليلا، أقرأ فيها ملامح أحمد شوقي ونجيب محفوظ وطه حسين والامام محمد عبده وعباس العقاد وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وفاتن حمامة وأمل دنقل وزكي نجيب محمود.
أتقاطع مع كاريزما أحمد عرابي وسعد زغلول وجمال عبدالناصر، وأغمس ملامحي في تاريخهم المتفق والمختلف عليه دون ان ينساهم التاريخ لأنهم لم يعبروا دون أن تمتزج جباههم بتراب مصر.
أتشاكل مع حارس العمارة وسائق التاكسي وبائع المناديل والشحاتين والمسحراتي وبائعة الخضار وعاملة المنزل.
أتفحص وجوه الصبايا على مختلف أشكالهن ورغباتهن وأسرارهن.
أمتزج مع نخبة المثقفين والإعلاميين وأتقاسم معهم هموم العروبة ومستقبل الإنسان العربي، حقوق الإنسان والحرية والديموقراطية، كما أمتزج مع الأسر العريقة الغنية التي أكلت معها على سفرة الطعام المصنوعة في إيطاليا والأسر الفقيرة التي أكلت معها على الأرض تارة وتارة أخرى على” الطبلية ” دون فرق بين الطعامين ” المكان بالمكين ” هؤلاء الذين اقتسمت معهم ليالي الفرح ومساءات الاكتئاب ولحظات الشجن.
أسرح في تفاصيل الجامع الأزهر وجامع الحسين وكنيسة السيدة العذراء والكنائس المعلقة، مقهى الفيشاوي والحرافيش والاتيليه والتكعيبة وافتر 8، وميدان طلعت حرب ومكتبة مدبولي، وميدان التحرير الذي كان ومازال وسيظل نقطة التغيير في مصر.
جئت للقاهرة قبل عشرين سنة سائحا، وعدت اليها قبل أربعة أعوام موظفا وطالبا يتعاطى الشعر والثقافة، فكانت مصر أمي حين غياب أمي، وأصدقائي حين اختفاء الأصدقاء، ومدينتي حين البعد عن مدينتي، وقريتي النائية.
اكتسبت جنسية مصر بدون جنسية ولهجة مصر بدون مدرسة وابتسامة المصريين بدون تعليم وتسامحهم بدون دورات.
ياااااهـ يا مصر ..
لم يبق لي فيك من الزمن الا ما تركته فيك وما تركته في.. سأرحل عن كل الوجوه والسحنات التي تسكنني ولكنني لن أغادر الأرواح النبيلة والقلوب الحميمة والابتسامات الإنسانية التي تمثلتها وتمثلتني، امتزجت بها وامتزجت بي..
ستكون مصر معي.. في نبضي وبين حروفي وأوراقي ودمي وخطاي وعيني..
ستكون وستظل الأم الثانية، والوطن الثاني.
حاضرة العروبة ومرتكز استقرارها وأمنها، ومنطلق وعيها وثقافتها وفنها..
مصر المكان والزمان.. حيث تجلت عبقرية عمر بن الخطاب رضي الله في نظرته لمستقبل الأمة من خلال ضم الشام ومصر الى منظومة الدولة الإسلامية الوليدة حينذاك، لأنه عرف مكانة هاتين المنطقتين، وما تمثله من عمق استراتيجي للدولة الإسلامية الوليدة، لهذا أصبحت الشام ومصر منارتي الإسلام الثانية بعد مكة والمدينة..
كانت مصر الفرعونية فأصبحت مصر العروبة، التي تعاقبت عليها الدول والأنظمة والتاريخ، وقليل من الأماكن الجغرافية التي تتأقلم مع منعطفات التاريخ كمصر والشام ومكة المكرمة، ثم بغداد وجدة وبيروت وتونس وصنعاء.
مصر التي هي الوطن الثاني لكل عربي وليس هناك أي وطن ثان لأي عربي بعد وطنه سوى مصر.
هي مصر.. الشامخة رغم اختلاف الأزمنة وتغير المناخات..
لن أودعها وهي معي .. ولن تودعني وأنا معها و فيها.
—————
* شاعر سعودي
تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
  • نَـعْــــيٌ (شعر)

    فتحي مديمغ * أنْـعَـى فَـرَحِـي… أنْـتَـعِـلُ حُـزْنِـي… أدُوسُ على قَـلْـبِـي…
  • أنا (شعر)

    شعر: فتحي المديمغ لَـوْ كُـنْـتُ مِـنْ رَعَـايَـاالـقُـصُـور و الأغْـنـيَـاءْ… لَـوَ…
  • الباب (شعر)

    شعر: عبد العزيز الهمامي أَدُقُّ بَـابَــكَ لاَ حِــسٌّ وَ لاَ خَــبَــــــرُ طَـالَ الوُقُ…
تحميل المزيد ابداع

اترك رد