الرئيسية أخبار عاجلة حتى نستحق الفخر بالدستور..

حتى نستحق الفخر بالدستور..

0 قراءة ثانية
0
0

بقلم: نصر الدين اللواتي

” كِرمالي.. يا حبيبي اثنيناتنا بنعرف شو صار..”

اذا كان الدستور التونسيّ، بالشكل الذي انتهى إليه الآن يستحق الفخر، فبما وُضع فيه من عزيمةٍ ومغالبةٍ وحرصٍ على مصير البلد، وبفضل ما سُكبَ لأجله من دماءٍ ودموعٍ، ومن ألم التونسيين وعرقهم وصبرهم الطويل وغضبهم وتطلعهم المتفائل دائمل إلى الغد.
وبفضل ذلك الأملٍ الغامضٍ العصيّ على الفهم العابر لتاريخ تونس، أملٌ حيٌّ كثيرًا ما أزهر في سيرٍ وأغاني وقصائد تتدافع في الذاكرة، وفي حكمٍ بسيطة تحفل بها اليوميات التونسية المنسية.
بهذا يستحق الدستور الفخر وليس بفواصل الحبيب خذر وحيله الفقهية ولا بهلوانيات سمير بن عمر.
* * * 
حسنًا، تستحق هذه اللحظة الفخر، ولكن قطعًا ليس بفضل مناقشات المجلس التأسيسي المتأرجحة بين المرارة والخجل في أوسع فرجة عموميةٍ للركاكة والمشاحنات وأخيرًا للعضلات، ولا بفضل نوّابٍ بعضهم عبئ على الذاكرة.
بل بفضل الصوت الآخر الذي جعل هذه اللحظة ممكنةً، الصوت الذي كان دائماً يشوش على الحسابات ويربك طمأنينة المعسكرات الحزبية ويفضحُ التهافتَ والمكرَ والخديعة، إنّه صوت المجتمع المدنيّ الحيّ والإعلاميين المحترمين والمناضلين الحقيقيين.. ممن لم يؤثروا الصمت. 
* * *
كثيرٌ من الأصدقاء من أنصارِ التخلص من المرحلة المنقضية والمرور نحو الغد بأي شكل يمعنون في إعطاء أهمية للحظة التاريخية لا من داخل جوهرها، بل من الالتفات الى جوار تونس المتعثر والغارق في الدم والخيبة في ليبيا ومصر.. وهذا منطقيّ ومعقولٌ ولكن حينما ينتهي الالتفات يمنة ويسرة سنعود الى أرض الواقع واختباراته الحقيقية.. اختباراته المجربة طيلة أشهر مضت.
* * *
ودّعت تونسُ مرحلة وعبرت نحو أخرى، وعدَا مقتضيات الحفل ومعدّاته من ابتساماتٍ تلفزيونية وربطات عنق، فاللحظة تستحقّ التأمل والاعتزاز، ولكن دون تناسٍ لميراث المجلس التاسيسي من تراشق حزبي بالتهم، وحالة شكّ في النوايا جعلت البعض يحول فصول الدستور إلى ذخائر ومتاريس وأنفاقٍ لمواجهات مؤجلةٍ.
وأثناء الاستغراق في الاعتزاز باللحظة والفخر بها، لابد من شيئ من التنشيط للذاكرة، فالفخر قد عُجنَ بمنجزات الحكم المؤقت بدءًا من تفقير الخطاب السياسيّ وصولا إلى رصاص الرشّ يحرس الشرعية والشرعيين.
* * * 
في تقنيات تحليل الخطاب، أي خطابٍ، لا مجال للباحث لأن يُهمل دور السياق في بناء الخطاب وتصوراته ومقاصده..
وإنّه من المفيد التذكر أن الشهيدين الذين سقطا برصاص الغدر، والجنود الذين افترسهم الارهاب والرعب المتمدد من جبل الشعانبي، وهواجسُ الأمن الخانقة لم تكن مجرّد عبئ انزاح الآن عن الضمائر، بل كانت سياقًا أيضاً تحددت خلاله وبسببه بعض فصول الدستور ونواياه. 
المهم سيوقّعُ الموقعون الممتلؤون بالفخر رؤساءُ “النموذج التونسي البليغ”، وسيتقاسمون وجاهة اللحظة التاريخية، بكل أدبٍ وبهجة وحتى بشيئ من صبغة الشعر.. ثم ينفضّ الحفل ويبقى مقعدٌ خال في قاعة المجلس التأسيسي يبتلعه الصمت والصقيع، مقعد محمد البراهمي.
* * *
التقييم الحقيقي للدستور ليس في تبادل التهاني بل في إدراكه غدًا في ثنايا الممارسة، في مدى تحقق دولةِ المؤسسات وعلوية القانون، فالدستور ليس “ترخيص فتح محلّ” أو كراس شروط يُحتالُ عليه فيما بعد بالرشوة، والتوافق ليس بلاغةً بل مسؤولية تاريخية.
والجميع يعرفُ أن أشهر الحوار والتكرار والتلويح والضغوط لم تكن تعبيرًا خلاقاً عن الاعتراف المتبادل والمسؤولية، بقدر ما كانت تعبيرًا خلاقاً على المحاصصة، وكما قالت فيروز في أغنيتها الشهيرة.. ” كرمالي يا حبيبي.. اثنيناتنا بنعرف شو صار”.
* * *
خلف كلّ هذا، نعم هناك أملٌ حقيقي وتوجدُ مدعاةٌ للفخر، وهناك أنموذج تونسي حقيقيّ هو ذلك الأسلوب الخلاق والمثير، ذلك المزيج من القدر وحقائق التاريخ وحنكة الأفراد، ذاك الذي يدلّ تونس دائما كيف تسلك طريقها وكيف ترتقي على جراحها.

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أخبار عاجلة

اترك رد