الرئيسية أخبار عاجلة متعة الكلام: نصر سامي يحاور مكي الهمامي

متعة الكلام: نصر سامي يحاور مكي الهمامي

0 قراءة ثانية
0
0

فتنة البدايات:

بدأت تجربة الكتابة في مطلع التّسعينات. لم أردْ على الإطلاق أن أكون شاعرا، ولم أخطّط لذلك سَلَفًا، كما فعل رامبو، حين أطلق صرخته المدوّية: ينبغي أن أكون رائيا، والرّائي في تصوّره هو الشّاعر. لقد جئتُ إلى الشّعر صدفة، وأُريدَ لي قسرا أن أكتوي بجمرته المدهشة. كنت في بداية مراهقتي شغوفا بالتّاريخ، بل إنّ ولعي به تجاوز الجانب النّظريّ إلى التّطبيقيّ، مجسّدا في هواية جمع القطع النّقديّة القديمة الّتي ما زلت أحتفظ ببعضها إلى الآن. وفي بداية التّسعينات اكتشفتُ أنّني شاعر. وشاركت في أوّل تظاهرة شعريّة سنة 1993، ولم أتجاوز حينها سنّ السّادسة عشرة. لقد طوّفت، بعدها، في ولايات البلاد مشاركا في ملتقياتها الأدبيّة الموجّهة إلى الكتّاب الشّباب، ظافرا بجوائزها الأولى، حاصدا إعجاب المشرفين عليها والمشاركين فيها على حدّ السّواء. والحقّ أنّني اعتبرت ذلك، في حينه، فتحا مبينا ونصرا ما بعده نصر. ولكنّ التّقدّم في التّجربة جعلني أرى فيها انتصاراتٍ أصغرَ من أن أبقي منها، ضمن سيرتي المثبتة في كتبي أو في صفحتي على الشّبكة العنكبوتيّة، شيئا يذكر. إنّ الإيغال المتواصل في ملكوت الكتابة علّمني أن أزهد فيما كنتُ اعتبره إنجازا جديرا بالتّقدير وأن أتنكّر له دائما.

 

تجربة الشّعر الطلاّبي:

لمّا دخلتُ إلى الجامعة طالبا في اختصاص اللّغة العربيّة وآدابها بكليّة الآداب بمنّوبة، انتسبت إلى الشّعر الطلاّبيّ. وانقطعت عن المشاركة فيما يُسمّى بملتقيات الشّعراء الشّباب أو الشّبان أو غيرهما من الكلمات الّتي تُنعنت بها هذه التّظاهرات. ولا شكّ أنّها كلمات يُراد بها لَجْمُ اندفاعات النّصِّ الشعريّ الجديد، ومحاصرة أفقه بردّه إلى فترةٍ من العمر محدّدةٍ كثيرا ما ارتبطت بعدم نضج تجربة الكتابة وهشاشتها. لقد رأيتُ فيها صخرةَ سيزيف الّتي ينبغي أن تُرمى من علياء الرّفض، وتكسر. حقّا لقد كنتُ معبّرا عن هموم تلك المرحلة الجامعيّة في شعري تعبيرا صادقا، إلى أن انفرط عقد الشّعراء الطّلبة المجايلين لي بالانخراط في الحياة المهنيّة والأسريّة. ولا غرابةَ في أن اكتويَ بمشاغل الطّلبة، وأن أعكس معاناتهم فيما أكتب. لقد أهديت كتابي الشّعريّ الثّاني: “هذا ملكوتي” إلى الجامعة، واحتفيت بها وبتفاصيلها الصّغيرة الكبيرة، فيما يشبه السّيرة الذّاتيّة الشّعريّة للمكان. وما زلت أتذكّر، بحنين جارف، تفاعل جمهور الطّلبة مع قصيدتي “ليل منّوبة”، في خريف 98، في أوّل أمسية شعريّة لي أحييتها بالمطعم الجامعيّ القديم داخل “مبيت البساتين” بمنّوبة. لكنّ نسبةً كبيرةً من تلك القصائد، ومنها قصيدة “ليل منّوبة” نفسها، أجهزتُ عليها، رغم إعجاب العديد من الأصدقاء بها. ولم أدرجْ في كتبي الشّعريّة إلاّ ما توفّر على شروط جماليّة مُثْلَى وعلى طاقةٍ فنيّةٍ ضوئيّةٍ قصوى قادرة على اختراق الزّمن. 

 

المؤثّر الرئيس في تكوين شعريّتي:

ليس من اليسير على الشّاعر أن يضبط المؤثّر الأساس في تكوين شعريّته. ومن المجازفة، في تقديري، أن نتحدّث عنه بصيغة الإفراد، لتعدّد الأصول الّتي شكلّت معينا ثَرًّا لتجربتي في الشّعر. وتنوّع مجالاتها الّتي تتجاوز كتاب الثّقافة المجرّد إلى كتاب الطّبيعة المجسّد. ولكنّني سأقصر حديثي في هذا المقام على كتاب الثّقافة، حيث تمتدّ قراءاتي في الزّمان، من أقدم الأشكال الشّعريّة الّتي عرفها العرب الأوائل كالأرجوزة، إلى آخر ما أنتجتهُ الحداثة وما بعد الحداثة. وهي ممتدّة في المكان شرقا بما ظهر فيه من ديانات قديمة، وغربا بما ابْتُكِرَ فيه من أشكال كتابة خارقة للمألوف. وهي، إلى ذلك، ممتدّة أيضا على أكثر من جنس أدبيّ وما شبّ عن طوق الجنس وعزّ على النّقّاد تجنيسه أو ما أطلق عليه أمبرتو إيكو مصطلح “النّصّ المفتوح” . وكما تعلم، لا أحد ينجو من أثر المقروء. فالنصّ الأدبيّ كالإسفنجة يمتصّ النّصوص الحافّة به، ويحاورها حوارا تجريبيّا، ويحوّلها تحويلا خلاّقا إلى نصّ آخر جديد. وحداثته مرهونة بقدرته على أن يكون ذاكرة لها ومحوا، في الآن نفسه. وقد تكفّلت المباحث النّقديّة المهتمّة بالتّناص بتأكيد ذلك. ولأجل ما ذكرتُ، سأتحدّث مجازا، عن مؤثّر رئيسٍ في تكوين الشّاعر داخلي.

ولربّما شكّلت تجربة درويش بمساراتها المتنوّعة في الكتابة، شعرا ونثرا، الخلفيّة الجماليّة الّتي غذّت شعريّتي ودفعتني إلى دروب المغامرة الإبداعيّة. ولقد اهتممتُ بالرّجل اهتماما أكاديميّا أيضا في مناسبات عديدة (في رسالة الأستاذيّة ورسالة الماجستير، وهو الآن مدار اهتمامي في أطروحة الدّكتوراه). ولعلّ أهمّ ما أخذته عن هذا الشّاعر، إيمانه العميق بالإيقاع مجسّدا في قصيدة التّفعيلة القادرة على هضم منجزات الحداثة وما بعدها. إنّ درويش، خاصّة في كتاباته الأخيرة، وسّع ماهية قصيدة التّفعيلة، وماهية الشّعرِ ذاتِه، عبر اقتراحات جماليّة كانت إلى حينٍ حِكْرًا على قصيدة النّثر.

 

عن الأبوّة الشّعريّة:

كتبي أبنائي شعريّا، ولأجل ذلك لم أصدر منها إلا ما شُذّب وهُذّب، وأمكن له أن يحظى  بالتّتويج وطنيّا وعربيّا… ففي “إثم البداية”، مثلا، حاولت كتابة البدايات مشتغلا على صورتيْ الطّفل والعتبة المفضية إلى عالم الألم والأمل. فمقدور الطّفل أن يكون كائنا عابثا بألواح الأجداد وباحثا فيها، في الآن نفسه، عن خيط ضوء يقوده إلى مسارات مغايرة للمألوف. وقد تُوّج هذا الأثر الشّعريّ بجائزة مفدي زكرياء المغاربيّة للشّعر (دورة 2002)، وأحسب أنّي كنت أصغر شاعر تونسيّ يفوز بها في نسختها المغاربيّة. أما كتابي الشّعريّ الثاني الموسوم بـ “هذا ملكوتي” ففيه اقتفاء لسيرة هذا الفتى الرائي من هباء بدايته إلى هموم حياته الصّغيرة. ولقد كان ذلك الفتى معادلا شعريّا للكائن مطلقا، مثل ما هو، في الآن نفسه، الشّاعر خالق الكلمات. ولذلك يحضر في هذا الأثر الشعريّ احتفاء بالأمكنة وخاصة منها الفضاء الجامعيّ الذي كتبتْ فيه أجمل قصائد هذا الدّيوان. ولقد توج “هذا ملكوتي” بجائزة دبي الثّقافيّة للإبداع (دورة 2010 –2011). وأما “ذهب العزلة” وهو آخر إصداراتي الشعريّة زمنيّا، فهو كتاب شعريّ ضخم يناهز عدد صفحاته 200 صفحة. ولقد كُتبت أغلب قصائد هذا الأثر الشعريّ بين سنتيْ 2004 و2007 في عزلة الجنوب القاسية والممتعة في الآن نفسه، وذلك أثناء إقامتي بإحدى واحاته الجبليّة (تمغزة من ولا ية توزر). ولقد استلهمت من المكان الكثير من قصائده مشتغلا على صورة الصحراء ووردة الرّمال والنخلة وغيرها من متعلّقات الجنوب. ولكنّ الديوان لا يخلو من تعبير عن الحنين إلى الشّمال التّونسيّ موطن الشّاعر.

 

رؤيتي لوضع الشّعر العربيّ راهنا:

أعتقد أنّ الشّعر العربيّ يعيش أزمة بالمعنى النّبيل للكلمة، حيث تتحوّل الأزمات إلى مِحْرَارٍ ضروريّ لمعرفة مدى إيمان الشّاعر بالمستقبل أكثر من إيمانه بالماضي. فيعيش قلق التّحديث المستمرّ، وينبعث من رماده دومًا كالعنقاء. طبعا لا أتحدّث عن الشّعر المنشغل بكتابة اللحظة التّاريخيّة الرّاهنة، وهي لحظة سياسيّة بامتياز، وإنّما يتّجه حديثي رأسا إلى الشّعر البلوريّ المأخوذ بالبحث عن ذاته في ذاته ( المشكّلة لتاريخ الشّعر العربيّ بشتّى تجاربه ونصوصه المعالم) وفي المشهد الكونيّ المحيط به وتفاصيله المدهشة في بساطتها والعميقة في بعدها الإنسانيّ. ولأجل ذلك أؤمن بأن الشّعر يحتاج إلى أزماته المتعاقبة، والمتوّجة بقيامات إبداعيّة، فيها نرى الشّعر على غير ما ألفناه، مختلفا ومفاجئا. وليس من التَّزَيُّدِ في شيء، القول بأنّ الشّعر يتغذّى بأزماته ذاتها، ويتفوّق بها على منجزه السّابق ويتخطّاه. وفيما يتحوّل هذا المنجز إلى إرثٍ تمجدّه الأجيال، يندفع هو، أي الشّعر، مُنْفَلِتًا من سجنِ الأشكالِ، خالصًا نورانيًّا نقيًّا، باحثًا عن أشكالٍ من الكتابةِ مبتكرةٍ لا عهد لتاريخ الشّعر العربيّ بها من قبل. فيَتَزَيَّا بها إلى حينٍ، ريثما يعصف به الرّفض القادم من المستقبل كالزّلزال… هذه هي حالة الشّعر العربيّ الرّاهنة، أزمة خلاّقة يحيا الشّعر بها، ويتجدّد، ويصدم دائما بتجلّياته المغايرة للمناويل السّائدة المبشّرين بموته والمفتونين بتأبينه في خُطَبِ وداعٍ مثيرةٍ للشّفقة.

والحقّ أنّي أُصاب بأزمة، كلّما تبدّى لي أنّي حقّقت منجزا شعريّا جديرا بالتّقدير. إنّ كتبي الشّعريّة بكاملها خرجت من أرحام الأزمات، ومن أصلاب الحيرة المبدعة طَلَعَتْ كعشبةٍ خضراءَ في حطام الكتابة. ربّما لأجل ذلك، لا أرى موجبا للحديث عن نهضةٍ للشّعر أو تراجعٍ له. الشّعر أكبر من أن نقاربَ حضورَهُ الكونيَّ بثنائيّة منغلقة (إمّا أبيض وإمّا أسود). إنّ الشّعر يتطوّر بطرفَيْ هذه الثّنائيّة المتناقضَيْنِ المتحاورَيْنِ. وقد يقف في المابين أحيانا، ريثما يشحذ أسئلته الجماليّة من جديد. هكذا أرى الظّاهرة الشّعريّة، في تعاقبها الجدليّ المخصب، منذ امرئ القيس إلى آخر شاعر في العصر الحديث.

 

لا أنتمي إلى جيل شعريّ محدّد:

لا أنتمي إلى جيل شعريّ محدّد … وربّما لأجل ذلك لم تنغرس رجلي في وحل السّاحة الثقافيّة والمشهد الشّعريّ منها على وجه التّخصيص قبل الثورة وبعدها أيضا. ولم أسعَ إلى التعامل مع التّظاهرات الشّعريّة التّونسيّة كما لو كانت غنيمة. لقد نأيت بنفسي عن حمّى الحضور فيها، واخترت لنفسي العزلة فضاء للكتابة بعيدا عن الفرقعات الإعلاميّة الزائفة. في العزلة كتبت أجمل قصائدي، وفيها انشغلت بنصّي وانقطعت عن صخب العالم. لا جيل لي، ولا أجد في المجايلين لي عمريّا شبَها يُرى في التّجربة الشعريّة إلاّ فيما ندر. وأحسب أنّي أنتمي إلى كوكبة من الشّعراء التّونسيّين والعرب ممّن ينتمون إلى فترات عمريّة متنوّعة القاسم المشترك بينها الإيمان بأخوّة الشّعراء وبسموّ الشّاعر في نصّه وشخصه…

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أخبار عاجلة

اترك رد