الرئيسية ثقافة وفنون أدب الاحتفاء باللغة في المجموعة الشعرية “نافلة الحلم” للتونسية جودة بلغيث

الاحتفاء باللغة في المجموعة الشعرية “نافلة الحلم” للتونسية جودة بلغيث

2 قراءة ثانية
0
0

بقلم: محمد نجيب هاني

جودة بلغيث شاعرة و مبدعة تونسية أصيلة الوطن القبلي من تونس تحديدا مدينة نابل أين ولدت و تعيش الآن.. عرفتها في الفضاء الافتراضي من خلال كتاباتها ثم عرفتها في الندوات و اللقاءات و المناسبات الفكرية و الأدبية فوجدت خلف شخصية الشاعرة الهادئة المثقفة شخصية المرأة الطيبة و المتميزة بأخلاقها العالية و بين الشخصيتين كانت جودة بالغيث المرأة التونسية المبدعة بحق . و قد جمعت الكتابة القصصية بالكتابة الشعرية و من زواج النوعين تولد تجربة هامة من الإبداع فكانت نصوصها تحقق الاختلاف و تمثل الاستثناء الذي يطغى فيه الايجابي على السلبي .. و لعل ما يؤكد حديثنا أو تقديمنا هو إجابة جودة بالغيث لما سُئلت في إحدى الحوارات عن بداياتها و كيف جاءت إلى عالم الكتابة فكانت إجابتها كافية لتحديد القول و التعريف بهذا القلم حيث تقول

أتيت ….أمتطي صهوة الهوى

فاتحة جناحيّ للرّيح

جئت أحمل نبضي على كفّي

جئت أكفّن المداد حرفا بالبياض

وأريق رحيق عطور الجنّة

 على سماء القصيدة السّرمديّة”

وصلتني مؤخرا من الصديقة المبدعة و الشاعرة جودة بالغيث هدية أنيقة تمثلت في إصدارها الشعري الجديد الذي اختارت “نافلة الحلم” عنوانا له. هذه المجموعة الشعرية صادرة عن دار الثقافية للنشر و التوزيع في طبعة أنيقة من القطع المتوسط احتوت بين دفتيها على ست و ثلاثين نصا شعريا في حوالي تسعين صفحة . و قد استهلت الشاعرة مجموعتها الشعرية بتقديم للروائي التونسي إبراهيم الدرغوثي الذي تجاوز هذه المجوعة ليتحدث عن تجربة جودة بالغيث قائلا “إني أحسست أن هذه المبدعة سيتبعها كثير من الغاوين و أنها ستجد لنفسها و لشعرها مكانا مميزا في مدونة الشعر التونسي خاصة و العربي عامة

  و لعلنا بهذا لن نجد ما نضيفه للحديث عن تجربة هذه القاصة و الشاعرة إلا بالدخول بين أغوار هذه المجموعة الشعرية “نافلة الحلم”.

نافلة الحلم عنوان يستفز الناظر او بالأحرى القارئ لهذه المجموعة من الوهلة الأولى و ذلك لتعدّد التأويلات التي تحيط ب”النافلة” و لعل ذلك يعود لارتباطها بماهو ديني اساسا .. النافلة(1) في الأصل ما زاد على النَّصِيب أَو الحقَ أَو الفَرض و نافِلة القول : ممّا لا حاجة لذكره نظرًا لوضوحه التّام لأنّه تحصيل حاصل اي غنيّ عن البيان ايضا ورد في المعاجم آن النافلة هي لغة هي الزيادة ، أو الهبة والجمع نوافل . واصطلاحا النافلة هي العبادة المستحبة ، صلاة كانت أو صوما ، وسميت كذلك باعتبار أنها زائدة عن الواجب.. و لعل ارتباطها بالحلم في عنوان المجموعة الشعرية يؤكد حرص الشاعرة على إضفاء اللمسة الإبداعية من تطويع للغة في مستوى اول و من فتح آفاق أرحب للتأويل في ذهن المتقبل أو بالأحرى المنتظر لما بداخل هذه المجموعة من القصائد في مستوى ثان  لتغوص بنا الشاعرة في أغوار الحلم و تدخل بالروح بين الحضور و الغياب كما عنونت اولى النصوص و تستدعي في هذا المنحى مجموعة من الصور تتفق على وحدة المعنى و تماسك المبنى و في نفس السياق لغويا حصل الانسجام من خلال تطويع اللغة لمعجم واحد تعلق في اغلبه بما هو ديني فكان الحب يصلب صاحبه على مذبح ثم الروح تصعد للخلاص المحتمل فيأتي الصدى حاملا الأنا قربانا و ترنيمة الحزن تخبر عن ضياعها:

الأشواق تنتحر على حبل الترقب”

 يحملني الصدى قربانا

على مذبح الحب يصلبني

و الروح تصعد للخلاص المحتمل..”

و لعل هذا الحزن و اليأس ما ميّز اغلب النصوص في مستواها الأول أي الشطر الأول من كل نص إلا أن المفارقة و المقابلة حصلت في اغلب النصوص على مستوى الشطر الثاني ليحضر التفاؤل و الأمل و الضياء على مستوى الصورة ثم معجم التفاؤل و الحلم الجميل و الفرح في مستوى اللغة .. و هذا ربما يوحي لنا بمدى قدرة الشاعرة على تجاوز الواقع بمرارته و حزنه و بؤسه يكون الحلم و التفاؤل بوابة تدخل منها الشاعرة إلى عوالمها الخاصة التي تدعو إليها المتقبل . و في هذا تحد للواقع بما يحمله من قتامه كما رسمته الشاعرة و هي المشغولة بواقع عصرها و مصرها أولا و مشغولة بما تواجهها ذاتها من وحدة و غربة لا يحسن التعبير عنها إلا المبدع الحقيقي ثانيا . فيحضر الحب و الحزن و اليأس و الغربة و النسيان و التفاؤل و الأمل و الحلم الجميل و الشوق و السحر و العشق:

“سحابة عالقة هناك

 تحتلبها الآمال

 تسعى لنسمة تأخذها إلى حلمها المشتهى ..”

من كل هذه الأحاسيس نستشف أن قلم جودة بالغيث مكتظ و يحمل داخله اكثر من فكرة و اكثر من مشغل و لكن إرادة الشاعرة على التجاوز كانت المنتصرة في هذه المجموعة

و تجدر الإشارة الى أن أهم ما يشد القارئ في هذه المجموعة هو مسألة اللغة التي أحسنت توظيفها جودة بالغيث على أحسن ما يكون فهي تتنقل بين “تقنيات” الكتابة الشعرية الحديث في كل نص بما يؤكد ثقافة عالية عند الشاعرة ثم احتراف قلمها في مداعبة اللغة إن صح التعبير

و هنا تتحول اللغة من أداة آو وسيلة تعبيرية إلى طرف في الصورة الشعرية فنجد الشاعرة تشكو إليها تارة و تشكوها تارة أخرى ..

 ثم تحكم السيطرة عليها كلما أرادت ذلك ..تقول الشاعرة

 

اللغة الطوفانية تجتاحني

تنتفض الروح بين جوانحي

تتشهى المعنى

 اللغة تلفني بطيب الجنة

تأخذني الدهشة

 اغرق في عبيرها و أمنح الصمت اغنيتي

 و ان حملت “اللغة” كلفظ هنا اكثر من تأويل فانها ستبقى اللغة الآداة و المخاطب في نفس الوقت في نصوص جودة بالغيث من خلال هذه المجموعة الشعرية و هذا تؤكده أيضا مسألة الكتابة التي كانت حاضرة في أكثر من قصيدة كمشغل لقلم جودة بالغيث

اللغة طرف في بعض النصوص و في اغلب النصوص كانت وسيلة أحسنت توظيفها الشاعرة من مختلف النواحي فالمعاجم تنوعت و اختلفت لكنها أدت المطلوب منها و وشحت القصائد بلوحات أجمل ما تكون لتبليغ اختلاجات الشاعرة و تصوير دواخلها … و أن أردنا البحث عن السر في هذا المنحى ربما تنوع التجربة عند قلم جودة بالغيث هو أساس هذا الإبداع فهي كاتبة القصة و فنانة السرد المتميزة و لعل خوض التجربة الشعرية سيجعل الآمر أيسر في مستوى اللغة و لكنه عسير في مستوى المعنى و هذا الفرق بين القصصي و الشعري .. و هذا عكس الفكرة التي تحملها جودة بالغيث و التي عبرت عنها في اكثر من مناسبة حوارية :”النّصّ الشّعريّ يهضم خصائص القصّة ليطوّعها شعريا و القصّة يمكن أن تتوسّل بالخطاب الشّعريّ كقيمة مضافة لخصائص القصّ، فليس هناك حدود و ضوابط و قوانين صارمة تمنع انفتاح هذا اللّون على الآخر

ما يمكن تسجيله ختاما ان هذه التجربة الشعرية للمبدعة و القاصة جودة بالغيث تستحق الاهتمام و الاشتغال أكثر فالساحة التونسية اليوم تحتاج للاعتناء بهذه الكتابات الاستثنائية خاصة في الساحة النسائية ان صح التعبير او ما يسمى بالأدب النسائي” اليوم ..فتجربة جودة بالغيث تؤكد لنا أن لكل إنسان خلفية فكريّة و نفسّية يؤسّس رؤيته الأدبيّة على مقتضاها ولذلك لابدّ ان نجد أثرا للذّات المبدعة مهما كانت صاحبها في كتاباته باعتبار انّ ” الابداع” هو التّفرّد والجرأة على قول الذات وليس ذوات الآخرين

——————–

1- معجم المعاني الجامع العربي  

2- جودة بالغيث نافلة الحلم دار تونس الثقافية ط1// 2013  رولانبارت لذة النص ط3 ترجمة دار بيروت 2006

5- تهامي الهاني الحداثة في الشعر التونسي المعاصر ط1// 2012

6- معجم اللغة و الاعلام بيروت 1998

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أدب

اترك رد