الرئيسية أخبار عاجلة صاحب أضخم مدونة شعرية في التاريخ: يكتب الشعر بلغة موليار على أوزان الخليل

صاحب أضخم مدونة شعرية في التاريخ: يكتب الشعر بلغة موليار على أوزان الخليل

22 قراءة ثانية
0
0

اللغة الفرنسية تُضاء بالحس العربي

حوار: صالح سويسي

يكتب بلغة هيجو وسارتر إلا أنه موغل في عروبته، مسكون بهويته وتاريخ أمته، له بصمته الواضحة علي الشعر الفرنسي من خلال إضافاته وإسهاماته الجليلة، فهو أوّل من كتب شعرا فرنسيا علي أوزان الخليل بن أحمد وهو أيضا صاحب مدرسة جديدة في النظم الكلاسيكي بشهادة كبار النقاد الغربيين. وإلي جانب هذا فهو صاحب أضخم مدوّنة شعرية في العالم. وهو بعد كل هذا وذاك شاعر عربي يحمل تراث الأمة وهمومها فوق كتفيه، يرسم الواقع بريشة المبدع المسكون بآلام الناسي وأفراحهم…
مع الدكتور الشاعر صالح خليفة كان هذا اللقاء…

تكتب الشعر باللسان الفرنسي ولكن علي أوزان الخليل بن أحمد، ما هذه المفارقة؟

ــ منذ الطفولة الأولي، تعلمت القصائد الفرنسيّة وتلوتها مرارا ورغم جمالها، لاحظت أنها تفتقر جدّا إلي الإيقاع الذي يمثل جوهر الشعرية العربية. في الحقيقة، لم أدرس العروض، غير أنّي عربي بالطبع وأحمل في جيناتي العبقريّة العربيّة فعندما أمرّ مثلا بالشوارع، أستمع رغم أنفي القصائد المذاعة أو الأغاني الشعبية المرتّلة فأصبحت أتسائل لم لا أمزج بين العبقرية الفرنسيّة البتراء من هذه الناحية والعبقرية العربية. ففي بحر الاسكندر »l’alexandrin « علي سبيل المثال، الّذي يعدّ اثني عشر مقطعا صوتيّا، تجد كبار شعراء فرنسا يقسمون البيت الواحد إلي مصراعين »6 + 6 «، لكن في كل مصراع، تختلف المقاطع الصوتية من حيث التوزيع فتأتي المقاطع الستة الأولي »1+5 أو 2+4 أو 3+3 أو 6 دفعة واحدة كما في كلمة mژlancoliquement مثلا « فتأكد لي أن الوزن في هذه الأبيات مختل، منعدم، مفقود، وأصبحت أقرأ القصائد الفرنسية علي مضض رغم جمال صورها في كثير من الأحيان وفي الحقيقة صرت أشمئز من قراءتها لأنها لا تتماشي مع ما أشعر به فأقحمت حينئذ الإيقاع العربي حسب تفعيلة المتدارك »فعلن « فجاءت كل أبياتي الشعرية موزعة كالآتي: »3+3 // 3+3 « وهكذا قسمت البيت إلي مصراعين وكل مصراع إلي شطرين متناظرين صوتيا.

قوالب شعرية

نعلم أن لك موقفا من المدونة الشعرية الفرنسية، ولكن هل أن هذا الموقف يقف عند الإيقاع فقط أم يتجاوزه؟

ــ يتجاوز موقفي الشكل إلي المضامين فلماذا أكتب باللسان الفرنسي إن لم أكن أرمي من وراء ذلك إلي طرح قضايانا الكثيرة منها أن العربي قادرا علي امتلاك لغة الآخرين امتلاكا شبه كامل وبإمكان كل منّا أن يصبح فارسا في ميدانه وهكذا يحلّ عدد غير قليل من العقد لدي الكثير منّا.
كما أردت الحديث عن الإسلام في قوالب شعرية عسي أن أظهره علي حقيقته فلا يتهم المسلمون بالجمود والتكلّس والتبعية بل بالانفتاح والسماحة وقبول الآخر ورأيه.

إذن، أين يمكن أن نلمس إضافاتك للشعر الفرنسي إلي جانب الإيقاع؟

ــ لاحظت أن مشكل المشاكل في الشعر الفرنسي يكمن في الصائت “e ” الذي يختلف الفرنسيون جميعهم حول نطقه أو عدم نطقه منذ قرنين علي الأقل وبما أن الشعر الفرنسي قائم علي التقطيع الصوتي »le dژcoupage mژtrique«، صمّمت في الأشهر الأخيرة علي نظم كل قصائدي دون هذا الصائت، وهي تجربة لم يقم بها أحد من كبار الشعراء الفرنسيين بله صغارهم، لذا اعترف حشد غير قليل من أساطين الشعراء والنقاد الحاليين بسبقي في تأسيس مدرسة جديدة في النظم الكلاسيكي، خصوصا أني الوحيد تقريبا الذي طبق أصول العروض الفرنسي les normes de la prosodie franچaise، ومنذ أشهر أخوض تجربة أخري تتمثل في إعادة كتابة القصائد الأشهر عند الفرنسيين مع الحفاظ علي القوافي الأصلية والموضوعات الأولي قدر الإستطاعة فعالجت اثنتين وثلاثين قصيدة لمشاهير شعراء فرنسا.

القصيدة في حلّة جديدة

ولكن ألا تخشي أن تتهم بتشويه علامات بارزة في الشعر الفرنسي؟

ــ أشعر أني أمسّ مقدسات الفرنسيين الأدبية ولهم الحقّ في ذلك فالذي تلا قصيدا ما في صغره وتعود عليه واختزنه في ذاكرته يغيظه أن يراه مكتوبا بطريقة أخري قد تطعن في شعريته، فألاحظ أني حافظت وأحافظ علي هذه الروح بالالتزام باستعمال القوافي وعدم الخروج عن الموضوع المطروق فتأتي القصيدة في حلّة جديدة قد تطرب البعض وقد تسوء غيرهم.

تعتبر حاليا صاحب أضخم مدونة شعرية في العالم و مع ذلك فإن حضورك لم بتجاوز أوروبا.. هل تعزو ذلك لاختيارك اللغة الفرنسية كأداة للتواصل أم أن السبب يعود بالأساس لقلة الترجمة أم أن هنالك أسبابا أخري؟

ــ الحق أني نظمت إلي حدّ الآن ما يناهز المائتي ألف »200.000« بيت شعر باللسان الفرنسي الكلاسيكي وهو رصيد لم يدانه أحد منذ فجر التاريخ من البشر، إذ أن كبير الفرنسيين فكتور هوجو »Victor Hugo« لم يتجاوز المائة وعشرين ألف بيت ويعتبر العملاق علي المستوي العالمي وعنوان أثالة فرنسا الشعرية فهو أخصب من غوته »Goethe« وشكسبير »Shakespeare« أما أخصب العرب شعرا فهو المعري الذي لم يتجاوز ثلاثة عشر ألف بيت أما عن الحضور في المشهد الإبداعي العالمي، فأعلم حق العلم أن كبار الشعراء بأوروبا لم يعرفوا إلا بعد موتهم أمثال فرلان »Verlaine« ورامبو »Rimbaud« ونرفال »Nerval«، وظني أن هذا قدر جل المبدعين الحقيقيين الذين لا يبيعون ضمائرهم ولا ذممهم. وللملاحظة أذكر أن ديواني الأول ” حلقة الجائعين”
»la Ronde des Affamژs« أعجب الشاعر النحوي المجمعي الرئيس الراحل ليوبولد سيدا سنكور »Senghor « فكتب لي بالحرف الواحد:” أحببت قصائدكم لاندفاعها ولإيقاعها ولسخائها… ” كما أعجبت أشعاري البرفبيور المعمّر بيير أوزنا »pierre Osenat« رئيس جمعية الشعراء الفرنسيين ورئيس الأكاديمية الأدبية بفرنسا وما وراء البحار وعضو اللجنة العليا للغة الفرنسية والأستاذ بالكوليج دي فرانس فأنشأ يقول: “… إنكم تشرفون الفرنكفونية جمعاء لا فقط تونس وفرنسا…”
أما فيما يتعلق بالدراسة النقدية للمدونة فيعكف الباحث طارق اليحياوي علي إعداد دراسة أسلوبية نقدية مع ترجمة لقصائد متخيرة في أجزاء ثلاثة يصدر أوّلها في الأشهر القريبة القادمة.

في اعتقادك، إلي أي مدي يمكن لنص مكتوب بلسان فرنسي أن يحافظ علي ذات وخصوصية محلية في ظل زمن ينبئ بالانصهار الكامل في الآخر؟

ــ إذا ما تعلقت همة المرء بهويته واعتدّ بمن ينتسب إليهم وبالحضارة التي نشأ فيها فإنه لا ريب بمنجاة عن خطر الوقوع في ذوبان شخصيته إذ الأصل أن يكون مؤثرا لا متأثرا فاعلا لا منفعلا يأخذ إيجابيات الآخرين ويدع سلبياتهم.

الشاعر صالح خليفة:

من مواليد مدينة قصيبة المديوني في الساحل التونسي سنة 1943.
متحصل علي شهادة الليسنس »licence« في التاريخ والجغرافيا
متحصل علي شهادة الدكتوراه الحلقة الثالثة سنة 1982 بجامعة السربون
ثم دكتوراه الدولة سنة 1987
درس التاريخ والحضارة والتصوّف الإسلامي بالمعهد الأعلي لأصول الدين بجامعة الزيتونة.
أشرف علي عدد كبير من شهادات التأهيل ورسائل الدكتوراه ودكتوراه الدولة.
شغل رئيس قسم العقيدة والفلسفة بجامعة الزيتونة من 1990 إلي 1996.
أصدر  عددا كبيرا  من الجموعات الشعرية منها:
حلقة الجائعين
أمير الدمّ
أحلام مقوّرة
أشعار 50.000
أغاني السموم
ذكريات محرقة
بنتومات أمي
رؤي غائمة

————-

الحوار صدر في صحيقة “الزمان” بتاريخ:

25 يوليو 2007

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أخبار عاجلة

اترك رد