الرئيسية أخبار عاجلة العلاقات العربية – التونسية بعد الثورة: من الجفاء إلى الإحتواء

العلاقات العربية – التونسية بعد الثورة: من الجفاء إلى الإحتواء

2 قراءة ثانية
0
0

بقلم: أبو عمر النقازي

اِنتظر العاهل المغربي مرور أكثر من ثلاث سنوات على سقوط النظام السابق لكي يؤدي أول زيارة له إلى بلادنا على رأس وفد هام من كبار المسؤولين ورجال الأعمال تم التوقيع خلالها على عدد من الإتفاقيات الثنائية شملت مجالات مختلفة. ولئن تتنزل هاته الزيارة في إطار المسار الطبيعي للعلاقات المتميزة والتاريخية التي تجمع تونس بالمغرب وأيضا إذا ما أخذنا بعين الإعتبار حجم المصالح المشتركة القائمة بين البلدين، إلا أنه يجدر بنا، بعيدا عن عبارات التهليل والترحيب، أن لاندع هذا الحدث يمر دون أن نتساءل عن الدوافع والمستجدات التي كانت وراء قرار وتوقيت توجّه ملك المغرب إلى بلادنا؟ حيث أن مثل هاته المبادرة من قائد بلد شقيق كان من المنتظر ومن الأجدر أن تتم خلال السنة الأولى التي تلت ثورة 14 جانفي، في إشارة قوية لدعم القيادة المغربية لإنتفاضة الشعب التونسي على الإستبداد وللمخاض العسير الذي عرفه البلد طيلة الفترة المنقضية إلى أن أمكن التوصّل إلى توافقات حول الدستور والإعلان عن حكومة جديدة عُهدت إليها مهمة إستكمال المرحلة الإنتقالية وتنظيم إنتخابات رئاسية وتشريعية.

ليس هناك من شك أن المغرب في شقه الرسمي– الملكي على الأقل لم يبد إرتياحا وتحمسا للثورة التونسية التي أسست لعلاقة جديدة بين الحاكم والمحكوم لم تألفها المنطقة من قبل وكانت ملهما لبقية الشعوب العربية لتحدث التغيير الذي طال ترقبه وسط مكابرة وتجاهل من السلطة القائمة. وحقيقة لم يكن المغرب يشكل الإستثناء في موقفه هذا، فجميع الملكيات والأنظمة الشمولية في الوطن العربي كانت ولازالت تنظر إلى التحولات التي تمر بها المنطقة على أنها تهديد فعلي لكيانها وقد إنبنت تجاه هذا الخطر الداهم مواقف وإستراتجيات تعامل مشتركة لقطع الطريق أمام المد الديموقراطي. فعلى الصعيد الداخلي، تمكن المغرب من تطويق “عدوى” الحرية التي بدأت تطاله وتلوح بوادرها من خلال الإحتجاجات الشعبية اليومية والشعارات المطالبة بالتغيير الحقيقي، بأن قام “بتعديلات” دستورية و”إصلاحات” سياسية أتت على السطح دون النفاذ إلى العمق، أما فيما يتعلق بالتعاطي المغربي الرسمي مع أحداث 14 جانفي وماآلت إليه من تداعيات فقد إتسم بعدم الإرتياح والحذر وذلك نلحظه من خلال الإعتراف المتأخر والمحتشم للمسؤولين المغاربة بمنطلقات ونتائج الثورة التونسية وأيضا نستنتجه من السنوات الثلاث التي إحتاجها محمد السادس ليؤدي أول زيارة له إلى تونس الثورة بالرغم من الزيارات المتتالية إلى المغرب لكل من رئيس الجمهورية ورؤساء حكومات بلادنا. وهذا في حد ذاته ليس بالغريب، فقد كان موقف المملكة في تناغم مع مغلب مواقف بقية الدول العربية التي إعتمدت سياسة “wait and see ” في التعامل مع الأوضاع في تونس فلا نترقب إذن من قادة تلك الدول، على الأقل في مرحلة أولى، أن يهرولوا للمجيء إلى بلادنا لتزكية المحظور.

أما وبعد الزيارة الأخيرة، فحَريٌّ بنا أن نتساءل ما الذي تغير؟

لقد تمكنت بلادنا بفضل التوافقات التي توصلت إليها أهم الأحزاب السياسية وبتظافر جهود العديد من مكونات المجتمع المدني وكذلك بفعل تماسك التركيبة التونسية، من تجاوز عدد من المطبات والأزمات العصيبة التي كادت تعصف بالمجتمع والدولة على إمتداد أكثر من ثلاث سنوات، كما شكلت المصادقة على دستور ديموقراطي لحظة فارقة توجت المجهودات والمساعي التي بُذلت ومهدت الطريق للإنتخابات التشريعية والرئاسية القادمة. إذن، بالرغم من كل المعوقات والتحديات التي تواجهها، فإن التجربة التونسية في مجال الإنتقال الديموقراطي لاتزال على الطريق الصحيح وأسقطت حسابات العديد من الذين راهنوا على تخبطها في مستنقع الفوضى، وقد مكّن ذلك بلادنا من تحصيل قدر أكبر من الإحترام والتقدير من لدن فئات عريضة داخل المجتمعات العربية كما إزداد إشعاعها وتأثيرها في محيطها المغاربي والعربي يساعدها على ذلك الطفرة والإنفتاح الذي شهده قطاع الإعلام العمومي والخاص مما سيساهم طبعا في الترويج لهاته التجربة التي أضحت واقعا قائما بذاته وجب، من منظور الأنظمة المهترئة، التعامل معه وإحتوائه بمختلف وسائل الضغط والإغراء بدل رفضه ومعاداته، على الأقل في العلن، حيث أن التمادي في إنكار منطلقات ثورة الشعب التونسي وإستحقاقاتها من شأنه أن يعمّق الخلاف ويزيد من حدة المواجهة بين من ناحية، تجربة ديمقراطية فتية تحظى بمشروعية وتقدير شعبي داخلي وخارجي وأنظمة مستبدة تسعى إلى صدّ ووأد هاته التجربة، ويمكن لهذا التنافر والتضاد أن يؤدي في آخر المطاف إلى نتائج عكسية لاتخدم حتما النظام القديم حيث ستزيد من قناعة المواطن العربي بإنسداد أفق أي تحول ديموقرطي نابع من المنظومة نفسها – وبذلك الإيمان أكثر بالفعل الثوري- في مقابل تنامي الدور الإعتباري والرمزي لتونس كقاعدة وقاطرة التحولات في المنطقة ومصدر جذب وإلهام لحركات التحرر خاصة في ظل تصاعد حالة الإحتقان في الشارع العربي وتهيؤ كل العوامل والظروف للتغيير. لذلك، وبعد أن خَبر النظام المغربي مدى إلتزام الحكومات التي تعاقبت على بلادنا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبقية الدول وإمتناعها عن تصدير المد الثوري، أدّى محمد السادس زيارته الأخيرة إلى بلادنا وقاد حملة علاقات عامة أبهرت العديد من التونسيين والمغربيين على حد السواء، وفي الواقع سعى النظام المغربي من وراء ذلك إلى تحقيق أمرين:

– الأول، الإيهام بوجود تماهي بين كلا النظامين في تونس والمغرب بصفة تخدم الصورة والخطاب الذي يكابد المسؤولون في هذا البلد من أجل التسويق لهما كون المملكة تسير على خطى الديموقراطية منذ سنوات وهي خارج دائرة الثورات الشعبية. 
– وأيضا تدارك ما فات المغرب حيال التقارب التونسي – الجزائري على المستويين الشعبي والرسمي طيلة الفترة الماضية وهذا أمر على غاية من الأهمية بالنسبة للمغرب من أجل تحقيق التوازن الإقليمي الذي يحتاجه في مواجهة خلافاته مع الجزائر.

بالمحصلة، لئن لم تخرج الزيارة الأخيرة لمحمد السادس عن منطق الحسابات السياسية الداخلية والإقليمية لبلاده، فإنها جاءت لتؤكد أن التوافق بين التونسيين هو وحده الكفيل بتمتين الجبهة الداخلية وتعزيز إشعاع تونس الدولي وبذلك نفرض الإحترام الذي نستحق.

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أخبار عاجلة

اترك رد