الرئيسية ثقافة وفنون أدب المؤسّسة الزّوجيّة، جدّية البناء / سخريّة الهدم في قصّة كمال العيّادي “أرواح هائمة”

المؤسّسة الزّوجيّة، جدّية البناء / سخريّة الهدم في قصّة كمال العيّادي “أرواح هائمة”

0 قراءة ثانية
0
0

بقلم: الدكتورة آمنة الرميلي

1 ـ علامات وطأة المؤسّسة:

أ ـ الخوف

هل كان ذهن كمال العيّادي خلْوًا من الآية القرآنية الكريمة التي تحدّثنا عن “السّكون”[1] والطّمأنينة بين الزّوجين؟ فبالعودة إلى نسيج الخطاب السردي نلاحظ بسهولة أنّ أهمّ ما تعانيه الشخصية الساردة فيقلّبها وتتقلّب معه داخل العلاقة الزوجية هو “الخوف”. وهو خوف تتقاسمه الشخصيتان، الراوي والمرويّ عنها، ويشترك فيه الطرفان الرّمزيان داخل المؤسسة: الزّوجان.

يأتي الخوف ـ صفة وفعلا ـ قاسما مشتركا بينهما في إشارة من الكاتب إلى أنّ هذه المؤسّسة إن وطئت طرفا بالخوف فلن تترك الثاني في حاله، فالزوج يخيف زوجته بضرب رأسه أمامها بعد أن اكتشف “مصادفة أنّ تلك الحركة الخرقاء تحديدا (ضرب رأسه)، تبعث الخوف والجزع الشديد في نفس زوجتي “آنيتا” (ص9)، وهو يخيفها دفعا لخوفه منها ومن ردود أفعالها كلّ ليلة يعود فيها إلى البيت: “نعم، أنا أخاف ببساطة من لسان زوجتي “آنيتا” (ص 9)، والزوجة يركبها الرعب كلّ مرّة ترى زوجها يضرب رأسه بقوّة أمام عينيها. من هذه النقطة السردية المتأزّمة تبدأ القصة لتكون تيمة “الخوف” المتبادل بين قطبيْ المؤسّسة، الزّوج والزوجة، بؤرة الحدث تعليلا وتبريرا وانتشارا في نسج الخطاب، إذ يتكرّر فعل الخوف ومرادفاته (الخوف، الجزع، الإرهاب..) في أكثر من سياق ليولّد وجوها من السخرية والجدّ في القصة، ومواضع للملهاة والمأساة في المشروع السّردي الذي ارتآه الكاتب.

يولّد “الخوف” في مسار الحكاية حالات سردية مضحكة أحيانا حين يتضخّم الخوف ويسقط الشخصية في وضع كاريكاتوريّ يفجّر الضحك ويطبع الخطاب بطابع ساخر كأن يدفع الخوف الزوج إلى ممارسة أنواع من الأكاذيب الغريبة لتفادي التصادم مع زوجته،  ومبكية أخرى حين ينسحق الفرد تحت وطأة المؤسسة، ويتشوّه ما أمكنه التشوّه داخليّا وخارجيّا حتى ينسجم قدر ما يستطيع مع شروط المؤسسة الزوجية ومع سلطتها القانونية والاجتماعية والرمزية، انسحاق وتشوّه نستقرئهما من خلال ضروب الأذى التي يتعرّض لها الراوي / الزوج أو يعرّض لها زوجته، أذى نفسيّ يختزله في الرّعب اليومي الذي يعيشه كلّ ليلة وهو يعود إلى حضيرة مؤسّسته / بيته ما يدفعه إلى تدبّر أمره حتى يخلص من ذلك الأذى: “ثم بدأت بعد ذلك، وخلال السنوات الأولى معها،في تصنّع حالة من الحزن الشّديد، كلّما فتحت الباب ليلا ووجدتها كالسّعلاة أمامي. فكنت أعدّل ملامح وجهي قبل وضع المفتاح في ثقب الباب مباشرة..” (ص 10)، وأذى جسديّ فيه “الانعزال” داخل الغرفة(ص 10)، وفيه البحث عن “الانتحار” (ص 10)، وفيه تعريض الطّرف الآخر للضرب واللطم والرّفس والجلد، وإن بشكل افتراضيّ (ص 11) وفيه خاصة “ضرب الرأس”، الحدث السّردي الأهمّ في القصة، بداية ونهاية.

ب ـ محنة الزّمن

يعمل الكاتب على تضخيم “الوطأة” ـ علامة مميّزة للمؤسّسة الزوجية ـ من خلال الحديث المتكرّر عن “كتلة الزّمن” داخلها، زمن ممتدّ، متعاود، ثقيل على الذّات المتلفّظة، موح بصنوف من العذاب لا تنتهي. وترتسم كتلة الزمن في الخطاب السرديّ من خلال ميزة التكرّر فيها وقد حوتها مواضع سردية متعدّدة: “اعتدت ذلك” (ص 9)، “كنت استنفدت كلّ الطرق والوسائل والحيل لإرهابها” (ص 9)، “ربّما أبالغ حين أدّعي بأنني أضرب رأسي يوميّا. ولكنّني أضربه مرّتين أو ثلاث مرّات في الأسبوع” (ص 9)، “حاولت وجرّبت كلّ الطرق” (ص 10)، “كلّما فتحت الباب ليلا ووجدتها كالسّعلاة أمامي” (ص 10)، “..فإنّها ـ ومع مرور الوقت، وتكرّر العمليّة ـ لم تعد تصدّقني إطلاقا” (ص10).. وترتسم كتلة الزمن داخل هذه “المؤسسة” من خلال امتدادها ودوامها وتواصلها رغم معاناة الطّرفين المكوّنين لهذه المؤسسة، الزّوج والزوجة. إنّها نوع من السّرمديّة البائسة، هكذا يصوّرها كمال العيّادي في هذه القصّة.

ونرصد هذا الوعي بامتداد الكتلة الزمنية الخاصة بحياة المؤسّسة الزوجية في مجموعة من الأرقام الزمنيّة يعلنها السّارد وهو يبني ملامح هذه المؤسسة التي تأكل حياة الشخصيتين / الزوجين، وتدمّرها، وتفتّتها، وتضعهما في صراع مرّ يعملان رغم مرارته الشديدة على أن يتواصل ويبقى، ولو أدّى ذلك إلى مثل هذه الوضعية التي عليها الرّاوي وهو يدمن ضرب رأسه ليضمن بقاءه داخل المؤسسة! وهل تليق غير السخرية بمؤسّسة بمثل هذا الخراب؟

ولقد تعدّدت الأرقام الزمنية في قصّة “آنيتا” تأكيدا لمفهوم “الوطأة” العلامة المميّزة لأقدم مؤسسة في تاريخ البشرية، كأن يذكر الراوي التاريخ الذي بدأ فيه بضرب رأسه ليخلص من أذى زوجته: “اكتشفت منذ سنتين تقريبا، بأنني أجني فوائد عظيمة حين أقوم بتلك الحركة الخرقاء وأضرب رأسي بكلّ ما أوتيت من قوّة” (ص 9). ثم تتوسّع تلك الكتلة لتخصّ سنوات أخرى تنقرض في هذا الصراع “الدّامي” بين الطرفين المتعاقدين بعقد الزواج، صراع تستعمل فيه جميع الطرق الممكنة دون قدرة على حلّه أو إنهائه مثلما جاء على لسان الراوي: “ثم بدأت بعد ذلك، وخلال السنوات الأولى معها، في تصنّع حالة من الحزن الشديد..” (ص 10). وفي نوع من التنبيه إلى مدى ثقل هذه الكتلة الزمنية وقدرتها على إفناء سنوات العمر بلا رحمة وبلا ذرّة سعادة كما هو حال الزوج في قصة كمال العيادي فإنّه يجعل دوامها عقدا كاملا من تاريخ الزواج / المعاناة: “عشر سنوات مرّت الآن على زواجنا” (ص 14)، والأمر لا يثير استغراب القارئ وحده وإنّما استغراب الراوي نفسه وهو يتأمّل امتداد الكتلة ودوامها وتراكمها رغم كلّ شيء: “أعتقد أنّ ذلك هو السبب الحقيقي في استمرار علاقتنا كلّ هذه السنوات، تحت سقف قرميديّ واحد، رغم صبغتها العدائية. إنّ كلمة عدائية تبدو مهذّبة للغاية حين أريد أن أصف بدقّة طبيعة علاقتي بـ”آنيتا”. زوجتي” (ص 10).

حين يحدّد لنا كمال العيّادي كتلة الزمن داخل المؤسسة الزوجية ويرسم لنا ملمحها المميّز، “الوطأة”، فإنّه يقدّم لنا هذه المؤسسة في شكل “سجن”، بمفهوم ميشال فوكو للسجن، باعتباره “أداة احتواء واستعباد”، لتصبح الحياة الزوجية ـ كما تقدّمها قصّة “آنيتا” ـ شكلا عاتيا من أشكال السَّخَرة التي لا خلاص منها. هذا الظاهر، أمّا الباطن فهو سخرية كمال العيادي من رضاء الآخر وقبوله بهذا السجن ومن قبله رضاؤه هو بذلك باعتباره كاتبا متزوّجا!

 

 ———————-

[1]  ـ قال تعالى: “ومِنْ آيَاتِهِ أنْ خلقَ لكمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْواجًا لتسْكُنُوا إِليْهَا” (الرّوم / 21).

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أدب

اترك رد