الرئيسية ثقافة وفنون أدب زيارة الى قبر أنطونيو ماتشادو

زيارة الى قبر أنطونيو ماتشادو

1 قراءة ثانية
0
0

بقلم:  نورالدين بالطيب*

في يوم 1جانفي ،قلت سأذهب إليه فقد مضى زمن لم أزره فيه .في عطلة أعياد الميلاد ونهاية السنة تقفر شوارع المدن الأوروبية وطالما نصحني صديقي حسونة المصباحي الذي خبر هذه الشوارع لمايزيد عن العشرين عاما في مدينة مونيخ بعدم السّفر الى أوروبا في هذه الفترة لكنني لسبب مازلت أجهله أحب المدن عندما تقفر من العابرين ،أحب السماءات الغامضة والممطرة والباردة في أشهر ديمسبر وجانفي فقد أخترت منذ أن صار ممكنا السّفر الى الضّفة الأخرى أن أذهب الى أوروبا في هذه الأسابيع هاربا الى نفسي من الصخب العمومي والخيبات العربية .
الفاتح من جانفي أخذت القطار العجوز من مدينة “جيرونة”على الحدود الأسبانية الفرنسية أو الكتالونية كما يحب أصدقائي في كتالونيا أن يؤكدوا دائما .كان الطقس باردا ومحطّة القطارات تكاد تكون مقفرة ونسمات برد خفيف ،في إتجاه “سربيرا”قلت لبائعة التذاكر العجوز.
المرّة الأولى التي ذهبت فيها الى قبر الشاعر الكتالوني ،أنطونيو ماتشادو كانت قبل ست سنوات عندما جئت الى جيرونة للمرّة الثانية قادما من روما في إتّجاه برشلونة لحضور ندوة عن “صحراء المتوسّط”أردت أن أقضي بعض الأيّام رفقة أصدقائي في مدينة جيرونة التي هامت بها روحي منذ اللقاء الأوّل .
لم أكن أعرف أن قبر ماتشادو غير بعيد عن مدينة جيرونة بل لا يحتاج الأمر لزيارة قبره في قرية “كوليور”في جنوب فرنسا التي تعدّ مدينة كتالونية في فرنسا قبل أن تنهار مملكة كتالونيا الممتدّة الأطراف وظهور أسبانيا بتقسيمها الحالي إلا ساعتين فقط من جيرونة في إتجاه”سربيرا”ومنها وبعد تغيير القطارالى كوليورالتي لجأ إليها ماتشادو من جرائم فرنكو حاملا والدته العجوز المريضة عابرا بها الجبال والممرات الصعبة في ذلك الشتاء من سنة 1939 لتموت من البرد ويلتحق بها بعد أيّام قليلة فقط .
“أيّها المسافر
ما الدرب سوى
أثار خطاك ،
أيّها المسافر
ليس هناك طريق
الطرق تصنعها
الأقدام أثناء المسير
وحينما نسير
نصنع دروبا
وعندما ننظر
الى الوراء
نرى الطريق
الذي لن نسير فيه
من جديد أبدا.
أيّها المسافر
ليس هناك طريق
سوى خطوط
فوق البحر”
كنت أقرأ من الترجمة التي أعدّها عبدالهادي سعدون وميمونة حشّاد خبو وأشرفت عليها رجاء ياسين بحري والتي نشرت في جزئين في تونس عن مؤسسة بيت الحكمة عن الأدب الناطق بالأسبانية …أقرأ من شعر ماتشادو متأملا الطبيعة السّاحرة وبيوت القرميد التي تغطيّها الثلوج مستحضرا أصياف طفولتي في الصحراء في بدايات الصحراء الكبرى هناك في دوز التي أكتشفت في قيلولاتها القائظة الأدب العربي والعالمي عبر المجلاّت القليلة التي كانت تصل مثل “المجلّة”و”الموقف العربي”و”الدستور”وأتذكّر أنني عرفت للمّرة الأولى ماتشادوفي دراسة عن الأدب الأسباني نشرتها إحدى المجلاّت العربية التي كانت نافذتي على العالم .
كانت الدراسة عن ثلاثي الشعر الأسباني ماتشادو وألبرتي ولوركا القتيل .
وإذا كنت إهتممت فيما بعد بلوركا شاعرا وكاتبا مسرحيا وبرفائيل ألبرتي الذي كانت ذكريات صديقي الرّاحل عبدالوهّاب البياتي معه إحدى مواضيع سهراتنا في تونس فقد سقط ماتشادو من ذاكرتي قبل أن أستعيده في زيارتي الأولى الى جيرونة عندما حدّثتني عنه الصديقة الشاعرة الكتالونية كنصول فيدال وقد ذهبنا إليه أنذاك مع الصديقة الكتالونية أيضا مون باجولي ذهبنا ثلاثتنا الى قبره المغطّى بالزهور في القرية الصغيرة كوليورو التي ذكّرتني أزقتّها ودروبها العالية وأبوابها الزرقاء التي تغطيّها باقات الزهور بسيدي بوسعيد .
إنّه ضوء المتوسط المبهر في لحظات الصحو والصفاء قبل أن يغرق العالم في كوابيس العنف السياسي والتكفير والظلام المؤذن بالخراب والتصحّر.
“كل شئ يمضي
وكل شئ يبقى
ولكّن قدرنا
أن نمضي ،أن نمضي
وأن نترك دروبا ،
دروبا ،
فوق البحر”
نعم قدرنا “أن نمضي”قلت لنفسي وأنا أتجوّل وحيدا قرب القلعة العسكرية مطلاّ على المتوسط بأمواجه الهادرة في ذلك الصباح الشتائي .
في المقهى الخالي من روّاده في فصل الشتاء الذي تزيّنه صور لاعبين قدامى في كرة القدم حاولت أستحضار أسمائهم بلا جدوى- فقد مضى ذلك الزمن الذي كنت فيه مفتونا بكرة القدم متتّبعا لأخبار اللاّعبين ونتائج المباريات لأغرق في حمّى السياسة وتاريخ الحركة القومية واليسار ومفتونا بالشّعر والأدب-عدت الى سيرة الشاعر أنطونيو ماتشادو الذي ولد في مدينة أشبيلية عام 1875 وأصدر ديوانه الأوّل “خلوات”عام 1903 وقد كان أستاذا للغة الفرنسية وعدّ كتابه تحوّلا في التجربة الشعرية الأسبانية .
مبكّرا عرف ماتشادو الحب وخفق قلبه للأغاني العذبة وسافر الى عاصمة الأنوار “مدينة الجن والملائكة”باريس كما سمّاها طه حسين رفقة زوجته ليونورأثكياردولكنّها سريعا ما غادرته بعد إصابتها بمرض السّل ليغرق الشاعر في جحيم الرّحيل .
عاد الى بلاد الشّمس الأندلس التي كبر في أزقّتها العربية ونهل صغيرا من جمال معمارها وفتنته حاملا معه روح المرأة التي أحبّها لتعيش في قصائده مثل قصيدة “الطرقات”في ديوان “حقول قشتالة”و”كاستيليا”و”أغاني جديدة”و”الأغاني”.
وكان من الطبيعي أن تمدّ الحرب الأهليّة التي فجّرها الجنرال فرنكو بظلالها على قصائده فجاءت قصائده تحدّيا للديكتاتورية خاصة بعد أغتيال صديقه لوركا الذي رثاه بقصيدة “الجريمة كانت في غرناطة”.
وفي أواخر 1939 عندما أحكم فرنكو قبضته فهم ماتشادو الى أنّه لم يعد له مكان في بلاده فهرب الى كوليور ذات الجذور الكتالونية ليموت هناك ويتحوّل قبره الى مزار كتالوني .
في الدّرب الصغير المؤدي الى المقبرة والى البيت الذي عاش فيه لأيّام قليلة بعد وصوله الى القرية الفرنسية كنت أستحضر قصيدته “ذكرى من الطفولة”
ذات مساء رمادي وبارد
في الشتاء .التلاميذ
يدرسون ،رتابة
المطر خلف الزجاج
في الفصل ،على روحة
يرى قابيل
هاربا ،وهابيل ميّتا
حذو بقعة حمراء
بصوت عال ورنّان
المعلّم يزمجر،شيخ
بثوب بال ،نحيف وهزيل
يحمل كتابا بيده
ومجموعة أطفال ينشدون الدّرس
“ألف في المائة ،مائة ألف ،
ألف في الألف ،مليون.”
ذات مساء رمادي وبارد
في الشتاء .التلاميذ
يدرسون ،رتابة
المطر خلف الزجاج”
نعم كنّا نحلم بالمطر ،قلت لنفسي بل مازلت أحلم دائما بالأمطار! .
وأنا أسلم نفسي لضوء المتوسط ولشمسه الدافئة تذكّرت السواد الذي يغطّي السماء في البلدان التي رفعت أصواتها ضدّ الديكتاتورية كما رفعها ماتشادو لكنّها باتت تخشى الغرق في الظلام ذلك أنّ أعداء الحرية كثيرا ما يكونوا أوّل المستفيدين منها للأجهاز عليها وكتم أصوات البجع والحمام وقصف زهور الربيع .
عبر زجاج نافذة القطار العجوز مضت روحي في إتّجاه الصحراء متسائلا مع أنطونيو ما تشادو “الى أين سيؤدّي الطريق”
“أنا أحلم بدروب
المساء،التلال
الذهبية ،أشجارالصنوبرالخضراء ،
وأشجار البلّوط المغبّرة…
ترى الى أين سيؤدّي الطريق”
نعم …الى “أين سيؤدّي الطريق؟”

———–

* شاعر وصحفي تونسي

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أدب

اترك رد