الرئيسية أخبار عاجلة حوار قديم مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم

حوار قديم مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم

0 قراءة ثانية
0
0

سميح القاسم واحدً من أبرز شعراء فلسطين و الوطن العربي بل لعله واحد من أهم شعراء العالم، شاعر مجبول على التحدي و المقاومة المتواصلة للاحتلال بكل الأشكال الممكنة و غير الممكنة ، هو يقاوم بنصه و يراهن على الشعر أن يكون سلاحا ، أن يتحول إلى طاقة مادية تصنع و تغيّر و تشكل العقل العربي من جديد ، وهو أيضا يدعو إلى تفجير نوويّ في العقل العربي ، في الروح العربية هذا ما يريده الشاعر و هذا ما يؤمن بحدوثه يوما ما . لم يهرب من فلسطين و لم يشخ، مازال الشاعر شابا، روحا و قصيدا…

التقيناه و سعينا ليكون حوارنا معه متنوعا، الحديث إليه كان ممتعا و مريحا فالرجـل غير متكلف و يجعلك تسترسل فـي الحديث إليه و التمتع بمجالسـته و الاستماع لكل ما يقول وما هذا الحوار إلا ّجزء من لقاء جاوز الساعة و نصف الساعة، تحدث فيه الشاعر الكبير عن كل شيء.

كيف تتراءى لك اللحظة العربية الراهنة؟

اللحظة الراهنة ليست لحظة عربية، فلنكن صادقين مع أنفسنا و واضحين ولنمارس الجرأة في مواجهة الذات، نحن خارج هذا الزمن وأخشى أن نصبح خارج الجغرافيا أيضا لأنّ الممارسة العربية السائدة و الرسمية طبعا و التي تنعكس بقوة و جبروت على الإنسان العربي هي ممارسة غياب كامل في السياسة و الفكر و الثقافة و الاقتصاد و المجتمع، غياب عن الفعل، غياب عن الوعي، و اعذروني حين أصف الحالة العربية الراهنة بأنها غيبوبة، لكن يبقى ما تعرفونه عنّي من سمة برج الثور من العناد و التحدي و التشبّث، و في قصيدتي أجس نبض هذه الأمة فأكتشف أنها مازالت على قيد الحياة و كل ما يبقى هو أن نعيد صياغة فكرنا و سلوكنا في محاولة ضرورية للعودة إلى الحياة و الفعل و العودة إلى مكان ما من موقع تحت الشمس.

في هذا الخضمّ ، كيف ترى دور الشعر اليوم ؟

الشعر ليس مكلفا بدور ، الشعر هو الدور و إذا كان لدينا إبداع جيد فهذا يقيم الدليل على أننا مازلنا على قيد الحياة و لكن أريد أن أذهب بسؤالك إلى مثابة أبعد بالاعتراض على من يزعمون بأن الشعر هو جنرال .

قصيدتي ليست جنرالا ، لا تملك الصواريخ و الطائرات و الدبابات لتغير موازين القوى ميدانيا ، قصيدتي تحاول ممّا تفعله بي أن تعيد للإنسان في المطلق و الإنسان العربي أساسا إحساسه بالكرامة و بالحق في الحياة النبيلة و الراقية .

هي تمتلك تلك السلطة الروحية ربما؟

نعم و السلطة أو الطاقة الروحية تستطيع أن تتحول إلى طاقة مادية إذا قيّضت لها الأطر ، الأطر المقصودة هنا هي تشكيل منظّّم يقوم على نظرية ، على فكرة ، على موقف ، إذا غاب الموقف العربي بهذا الاتجاه فستظلّ طاقة القصيدة أشبه بالكهرباء الساكنة ، لذلك يتداخل الشعر بالسياسي و أنا أمارس ذلك باعتزاز .

إذن أنت ضد القائلين بالقطيعة بين الثقافي و السياسي ؟

أنا أسفّه النظرية الضحلة و السخيفة التي تقول بالقطيعة بين الثقافي و السياسي ، هي نظرية ليست سخيفة فحسب بل هي خطيرة لأنها نظرية سياسية بالأساس وراءها قوة سياسية تريد الفصل بين السياسي و الثقافي بمعنى الفصل بين المبدع و الشعب بمعنى إبقاء الشعب بلا ذاكرة ، بلا وجدان ، إذن هو موقف سياسي ، أنا أرفض و أسفّه من ينادون به و يرددونه كالببغاوات لكن لي دين و لهم دين ، لهم قناعاتهم وهم أحرار في ذلك ، أوبخهم دائما لكنني أدعو لهم بالشفاء العاجل .

نعلم أنّ لك مفهوما خاصا للحداثة الشعرية ؟

اسمح لي أن أطلب منك أن تسيء الظن و تحسن الفهم ، قصيدتي تجسد حداثة الشعر العربي قصيدتي هي التي تجسد الحداثة الحقيقية في الشعر العربي و ما عدا ذلك فهو تجريب و اجتهاد مبارك و جيد و جميل لكن لا أسمح باستغلال مستوى العالم الثالث الثقافي لترويج تفاهات و أباطيل تطلب مني مستنسخا ، لست مستنسخا و لا أريد أن أكون مستنسخا ، لا من إليوت و لا من جون جاك بيرس و لا من مايا كوفسكي و لا من أي كان ، الاستنساخ مسألة علمية قد تفيد في استبدال قلب معطوب مثلا .. لكن في الثقافة و في الفن و في الشعر لا و قد قلتها من خمسة عقود ، موقفي و رؤياي واضحان تماما و اغفروا لي تواضعي بتنبيهكم إلى أن فهمي للحداثة يختلف عما هو سائد و رائج من وعي عالم ثالثي شعراء عالم ثالثيون يستغلون مستوى ثقافي عالم ثالثي لتمرير نظريات عالم ثالثية ، أنا لست من العالم الثالث ، أنا من العالم الشعري العربي الأول و هو العالم الأول ، لا أريد أن أشبه أحدا و لا أريد لأحد أن يشبهني ، أنا مع الهوية الثقافية الواحدة و الواضحة و لكن أنا ضد مشاعر القدامة الشعرية و مشاعر التدني .

يرى البعض أن قصيدة النثر سحبت البساط من تحت أقدام الشعر الكلاسيكي؟

أنا مع الحداثة و مع الاستحداث أيضا ، لأنه يستعد على الحداثة ، الاستحداث هو أن يستفيد من إبداع الغرب و الشرق و ما بينهما لا بأس ، أنا مع هذا لأن الحضارة العربية في جوهرها و في صلبها حضارة تساؤل و أخد و عطاء ، أنا مع الانفتاح على العالم كله و بالنسبة للهاجس الفني فأنا مع المغامرة الفنية بدون شك ليس لدي إحساس بالصراع بين القصيدة الكلاسيكية و قصيدة التفعيلة و قصيدة النثر و حتى قصيدة الكومبيوتر ، ليس لديّ إشكال في هذا الموضوع لكني مع احترام الحقائق الإدعاء بان قصيدة النثر قد سحبت البساط فيه تجاوز للحقيقة أولا و فيه وقاحة و تطاول ثانيا بالمفهوم الأخلاقي البسيط كأن أقول مثلا أنني سحبت البساط من تحت أقدام المتنبي ، يمكن أقول تجاوزت المتنبي هذا من حقي لكن لا يجوز القول بسحب البساط من تحت قدمي المتنبي أو شوقي أو الشابيّ .هناك تكامل من حقي و من واجبي و من طبيعة الإنسان أن نتكامل و أن نتناقض لا بأس لكن التطاول مرفوض . اذهب إلى أمسيات الشعر على امتداد الوطن العربي و امتداد العالم كله و ابحث هناك عن الإجابة عن أيّ بساط يتكلمون أنا أتجول في الوطن العربي ، صحيح أني أعيش في قفص اسمه وطني لكن من حين لآخر أفلت من بين قضبان هذا الوطن و أتجول فعن أي بساط يتحدثون أشعر أحيانا بحرج حين أستقبل كما يستقبل فنانو الحب في أوروبا و في أمريكا أشعر بحرج و الله . هذه أوهام هم يتمنون لكن هذا لم يحصل ، حتى الآن إذا حصل سأجلس في الصف الأول في القاعة لأستمع إليهم جيدا و أصفق لهم .

في رأيكم إلى أي مدى استطاعت قصيدة النثر العربية أن تنتزع لها مكانا في منظومة الحس العربي المجبول أساسا على الإيقاع ؟

ليس الشعر العربي فقط هو المجبول على الإيقاع، فقط المقاييس أقل تطورا عندنا، التفاعيل العربية هي الأرقى في كل العالم و هي ثورة إيقاعية و موسيقية هائلة ، أنا أعتز بها ، القول إنها قيود من قبيل الجهل إذا ذوبت هذه الإيقاعات ، إذا أصبحت جزءا من كيانك الداخلي فهي تتحول إلى أجنحة حرية لا إلى قيود ، الأوزان ليست قيودا أنا استغرب هذا الكلام ، ما لا أعرفه يتحول إلى قيد الكيمياء بالنسبة لي مثلا قيد لأنني لا أعرفها الفيزياء قيد لكن بحور الشعر العربي هي أجنحة حرية لابد من ابتكار أجنحة أخرى بقصيدة التفعيلة ، بقصيدة النثر ، بأي شكل من الأشكال ربما تنسأ قصيدة الكومبيوتر مثلا ، تعلمون أنني أوجدت الشكل المسمّى السربية ، ما يسمّى بالمطولات الشعرية القائمة على التداعيات أنا أوجدت هذا الشكل منذ العام 1965 و تبناه شعراء عرب كثيرون دون أن يقول هذا سربي أو هذا الشكل الذي وضعه سميح القاسم ، لا يعنيني على الإطلاق ، ما يعنيني أن هذا الشكل أصبح رائجا في الشعر العربي و أخذا موضعا قويّا في الشعر العربي الحديث ، توصلت مثلا إلى شكل الكولاج الشعري من عشرين عاما ، نشرت أول كولاج شعري ثمّ تابعت و اكتشفت أن شعراء كثيرين في الوطن العربي ذهبوا إلى الكولاج دون أن يتحدثوا عن المصدر لا بأس ، أنا لا أبحث عن حق التأليف ، حق التأليف لا يعنيني هذا الموضوع ، الذي يعنيني فعلا هو أن شكل السربية الذي بدأته من أربعين عاما و أكثر أصبح مألوفا في الشعر العربي و شكل الكولاج الذي أوجدته من عشرين عاما أيضا أصبح هو الآخر شكلا مألوفا .

فلتكن قصيدة النثر، ما من شكل يحتل مكان شكل آخر ، يجاوره ربما ، قصيدة التفعيلة تجاور القصيدة الكلاسيكية ، لكن لا تلغيها تجاورها و تأخذ منها و تعطيها فلنصفح للغرور الضحل الذي يهيمن على الساحة الشعرية و الثقافية في الوطن العربي لنصفح لأشقائنا العالم ثالثيون الذين ينطلقون من الإقرار بأنهم عالم ثالثيون و يشعرون بالقزامة و بالتدنّي و بالضآلة أمام نظريات و تجارب وافدة من الغرب أنا أعترف أنني لا أشعر بالتعالي على الغرب ليست لديّ مشاعر عملقة تجاه الغرب لكن لا أرى في الغرب قامة أطول من قامتي ، أرى دبابة أكبر من دبابتي و طائرة أكبر من طائرتي، لكن في الشعر لا أرى في الغرب و لا في الشرق و لا في الجنوب قامة أطول من قامتي.

كيف تنظر لمقولات السلام اليوم؟

قد نكون الأمّة الوحيدة التي تعتبر السلام أحد أسماء الله الحسنى ، قد يكون أيضا شيء كهذا في المسيحية أو اليهودية أو البوذية لكن أنا أتكلم بما أعرف فقط ، السلام هو أحد أسماء الله الحسنى و نحن حضارة سلام و أخوة بين الشعوب و تفاعل نحن أمة لا فضل لعربي أو أعجمي إلا بالتقوى و لا أبيض على أسود و نحن أمة الناس سواسية مثل أسنان المشط و نحن أمة و جعلناكم شعوب و قبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم و نحن أمة و لو شاء ربك لجعل الناس جميعا أمة واحدة .. هؤلاء نحن لذلك من الطبيعي أن نكون أمة سلام لكن هناك من يحرف و يزوّر و يطرح الإستسلام بصيغة السلام و هذا ما لن يكون ، لابد أن أجعل هذه الأمة العربية أمة برج الثور لابد أن أجعلها رغم أنفها و هذا ليس حلما بل حقيقة ، اذهب إلى أمسياتي الشعرية في الأقطار الغربية و ستكتشف أنها حقيقة .

لن أسمح أن يتحول الاستسلام إلى صيغة سلام ليست لديّ بطارية صواريخ و لا طائرات و لا دبابات لكن لديّ سلاح التدمير الشامل السري الذي لن أكشفه لأحد و هو يخندق في عمق القصيدة عميقا لا تطاله الطائرات و لا الصواريخ ، بهذا السلاح السري سنقاوم مسح الذاكرة و إلغاء الهوية و تقزيم الروح و احتلال الوطن ، هو دمار شامل للشر و إعمار كامل للخير .

و لكننا بحاجة لكثير من الوعي إزاء هذا التحدي ؟

نحن بحاجة لأطنان من الوعي و لذلك كانت دعوتي الأخيرة إلى تفجير نووي عربي ليس على الطريقة الإسرائيلية أو الروسية ، بل هو تفجير نوويّ في العقل العربي ، في الروح العربية ، هذا ما نريده و هذا ما سيحدث ، و أنا لا ابني على أوهام ، من بنى القاهرة و بغداد و القيروان و قرطبة ؟ أنا لا أتخيل ، هذا واقع ملموس ، لنكن مثل أجدادنا على الأقل !!!

————

الحوار نُشر في جريدة “الصحافة” التونسية أوائل سنة 2006  فضلا عن عدد من المواقع العربية المتخصصة في الأدب

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أخبار عاجلة

اترك رد