الرئيسية أخبار عاجلة حافظ خليفة: تجسيد الصحابة في “السقيفة” كان محاولة لتعرية التاريخ العربي الإسلامي

حافظ خليفة: تجسيد الصحابة في “السقيفة” كان محاولة لتعرية التاريخ العربي الإسلامي

0 قراءة ثانية
التعليقات على حافظ خليفة: تجسيد الصحابة في “السقيفة” كان محاولة لتعرية التاريخ العربي الإسلامي مغلقة
0

أجرى الحوار: صالح سويسي

لا يقترح المخرج التونسي حافظ خليفة مسرحا عاديا، أو لنقل هو لا يقدم أعمالا مسرحية تستجيب لما يطلبه المتلقّي التونسي والعربي عموما، فهو يعمل على إنجاز أعمال مسرحية حمّالة أوْجُهٍ ورسائل.

يشتغل خليفة على البحث المعمّق والتنقيب في زوايا التاريخ العربي الإسلامي كي يظفر بصور عن حقيقة ذلك التاريخ المشوب في أغلبه بتهويلات وزيادات وينقصه الكثير من التدقيق والتحرّي في كثير من مراحله الحسّاسة والحرجة التي كانت بمثابة حلقاتٍ مفصلية أثّرت لاحقا في تسطير مستقبل الأمّتين العربية والإسلامية على حدّ السواء.

هذا التأثير الذي نعيش اليومَ بعض آثاره المقلقة من خلال ظهور الجماعات الإرهابية وتغلغلها في كثير من المجتمعات العربية الإسلامية والتي وجدت في بعض الموروث الفكري الذي انبنى في مرحال كثير على صراعات دموية، دِعامة ومبرّرات لبروزها وسعيها لفرض وجودها وتمكّنها…

من خلال أعماله يعمل المخرج التونسي ضمن مشروع فني عميق يبحث في أهمّ المحطات المؤثرة والفارقة في تاريخ التاريخ العربي الاسلامي ولما يتضمنه من تشابه كبير لما يقع الآن، وما نعيشة من نتائج خطيرة من تفرقة وتمزق في الهوية العربية الإسلامية، فاِجتماع السقيفة هو لحظة فارقة ظلّت من الأمور المسكوت عنها ومحلّ تأويلات دينية.

وفي مسرحية “السقيفة” التي أثارت جدلا واسعا بين داعم ورافض لنبشها في مرحلة حسّاسة جدا وعلى غاية من الأهمية من تاريخ المسلمين، وأساس الجدل أنّ خليفة جسّد فيها شخصيات الصحابة وجعلهم يتجوّلون على الركح، في هذا العمل تعامل المخرج مع الصحابة بنظرة المبدع لا المتديّن فهم في النهاية بَشَرٌ كما يقول، ويشيف في هذا الحوار معه أن الغاية لم تكن العملية التأريخية بل كانت الغاية الأساسية هي المقاربة والإبداع وتعرية هذا التاريخ الذي شابته العديد من المغالطات والتزييفات التاريخية بغايات دينية محضة…

تشتغل على مشروع فنيّ عميق حول أهم المحطّات المؤثرة والفارقة في التاريخ العربي الإسلامي، ومن هنا أتت فكرة المسرحية التي أسالت حِبرا كثيرا بين مُرَحّبٍ ومُسْتَنكِر… أتحدّث عن مسرحية “السقيفة” تحديدا

نعم، فكرة هذا العمل تتنزّل منذ البداية في سياق مواصلة البحث ضمن مشروع فني عميق عن أهم المحطات المؤثرة والفارقة في تاريخ التاريخ العربي الاسلامي ولما يتضمنه من تشابه كبير لما يقع الآن، وما نعيشة من نتائج خطيرة من تفرقة وتمزق في الهوية العربية الإسلامية، فاِجتماع السقيفة هو لحظة فارقة ظلّت من الأمور المسكوت عنها ومحلّ تأويلات دينية مع وضعها من الفترات التي قدّر لها أن تظل مسكوتا عنها وحتى من خلال مفهوم الخلافة هذا اللفظ والمفهوم السياسيي الذي أضحى حاضرا وبشدة بيننا والذي هو غريب عنّا لما مررنا به من تطورات في التجربة السياسية بعد الاستعمار.

ما هي أهم المراجع التي استندتم عليها لكتابة العمل؟

وقد اعتمدنا في كتابتنا للنص على مراجع تاريخية ودينية الشيعية منها و السنية وأذكر من أهمها كتاب “الفتنة”  وكتاب “تاريخية الدعوة المحمدية في مكة” للدكتور هشام جعيط نشر دار الطليعة ببيروت وكتاب “العصبية والدولة” للدكتور محمد عبد الجابري نشر مركز دراسات الوحدة العربية، و”حروب دولة الرسول” لسيد محمود القمني وكتاب “مؤتمر السقيفة” للدكتور محمد التيجاني السماوي، فضلا عن كتاب  “السقيفة والخلافة” للدكتور عبد الفتاح المقصود.

تجسيد الصحابة فوق الركح

ما الحدّ الفاصل بين حدث تاريخي هام ومفصلي في التاريخ الإسلامي والحبكة المسرحية أو اللعبة الركحية التي سعيت إليها كمخرج وأسست عليها رؤيته للعمل منذ البداية؟

عند نبشنا في كلّ ملابسات وتأويلات هذه الحادثة اكتشفنا أنّه لزام علينا التعامل ركحيا مع رهان وتحدٍّ آخر وباب آخر ظلّ مغلقا وممنوعا لعهود عديد ألا وهو تجسيد الصحابة الاجلاء والذي نظرنا إليه بعقلية المبدعين وليس المتديّنين فهم بَشَرٌ وغير معصومين وأعتقد أنّ المسرح التونسي قد وصل إلى درجة من الوعي الذي يجعله قادرا على طرق وفتح هاته الأبواب التي كانت ولا تزال حاضرة بيننا…

فكان هذا التعامل مبنيّا على فكرة أنّهم رجال دولة دون معرفة لمفهوم الدولة ولا بجزئيات العمل السياسي، لقد ترك موت الرسول الأكرم فراغا رهيبا وخاصة من خلال غيابه وما يُمثّله اِنقطاع الوحي من تيه وبالتالي الالتحاف بالوازع القَبَلي الذي شمل الصراع الذي قام بين المهاجرين والأنصار.

تطلب تجسيد هذه الشخصيات التي لم ولن تكون عادية باعتبارها شخصيات منظور لها ومشهود لها بقداستها نظرا لصحبتها واِحتكاكها المباشر بالدعوة المحمدية، وكل هذا استوجب الاعتماد على طاقات إبداعية متفردة ولها قدرتها وتجربتها التاريخية المسرحية فالوعي بالشخصيات وملامحها كان يستوجب ممثلين قادرين على فهم خطورة شخصيات الصحابة الأجلاء وخصائصها ولهذا كان الاعتماد على الأساتذة منجي بن ابراهيم في دور أبي بكر الصديق وحمادي المزّي في دور عمر ابن الخطاب وكمال العلاوي في دور أبي سفيان وعبد الرحمان محمود في دور سعد ابن عبادة وتوفيق الخلفاوي في دور أبي عبيدة ابن الجراح و نور الدين الخلفاوي في دور البشير بن ساعدة والبشير الصالحي في دور الحباب ابن النعمان والشاب أيمن بن عمر في دور علي اِبن أبي طالب.

لقد تعاملنا بكل مسؤولية مع هذه الشخصيات الفارقة في التاريخ الإسلامي دون الوقوع في التحلّي بالواعز الديني إذ ما كنت أؤكده للمثلين هو التعامل معها كبشر عاديين  دون التنزيل من رفعة الشخصيات وخاصة تميّز كل شخصية عن الأخرى في ردود الأفعال ومدى تقمّصها بإقناع وعدم الوقوع في الأداء التمثيلي الساذج وما فيه من تقليد، بل التركيز على سمات الشخصيات الدنيوية المعيشية والبشرية المحضة وليس على ظلالها أو ما قيل عنها من قبل المؤرخين أصحاب المرجعية الدينية.

ولكن… لماذا السقيفة الان؟ ألم تخشَ خوض المغامرة؟

إنّ الغاية من العمل أو “المغامرة” التي كان لها السبق في تجسيد الصحابة وهذا يحدث لأول مرة في تاريخ المسرح العربي والعالمي لم تكن العملية التأريخية بل كانت الغاية الأساسية هي المقاربة والإبداع وتعرية هذا التاريخ الذي شابته العديد من المغالطات والتزييفات التاريخية بغايات دينية محضة فهدفنا كان وبالأساس التحدّث عن كيفية اِستغلال هذا الفراغ الذي أحدثة موت النبيّ الأكرم وحالة التصدع والانشقاق الذي تمّ إثر موته ومدى اِستغلال رموز الدولة العميقة التي كانت حاكمة قبل مجيء الإسلام للعودة من جديد إلى السلطة ونظرا لحنكتها ودهائها ومعرفتها بقواعد اللعبة السياسية والمتمثلة في شخصية أبي سفيان ومن خلاله الفكر السياسي لبني أميّة الذي دمّر مفهوم الخلافة وأحدث معارك طاحنة فرّقت شمل الدولة الحديثة آنذاك وما أشبه واقعنا اليوم بهذه الحادثة وما أشبه تناهش الغنائم  في أيامنا هذه مستغلّين حالة الفوضى والفراغ إثر ما سُمِّيَ بالربيع العربي.

حافظ خليفة
حافظ خليفة

إنّ دخول هذا الوطن العزيز في حالة الاضطراب والبلبلة والفراغ والتمزّق جعلنا أسرى مدّ متطرف خطير وقريب منّا، ولعل هذا ليس بالغريب اذ لاحظت ان وطننا العربي و من خلال تاريخنا العربي الاسلامي قد استغلت كل الفئات المتطرفة مثل الخوارج والأزارقة والحشاشين وغيرهم كل من أشكال التطرف وثمار الفراغ السياسي مما سيجعلنا لا قدر الله نعود إلى الحروب الطائفية باِسم الدين الذي هو بريء كل البراءة من كل أشكال العنف التي يمارسونها.

صدمة فنية وسياسية وحرمان…

وبعد عرض “ألسقيفة” هل وجدت ما صبوت إليه أم أنك بحاجة إلى إعادة ترتيب بعض الأمور كي يكون العمل في مستوى تطلعاتك؟

 لقد ولّد هذا العمل صدمة مسرحية وإبداعية وحتّى سياسية إذ إنّنا تعرضنا إلى الانتقادات حتى قبل عرض العمل من قبل العديد من الأئمة في خطبهم بالجوامع وحتى من خلال النخبة المسرحية إذ حُرمت المسرحية من المشاركة في مهرجان المسرح العربي التابع للهيئة العربية للمسرح وكذلك تمّ رفض مشاركته في المهرجان الدولي “فجر” للمسرح بطهران لما فيه من تجسيد لشخصية علي كرم الله وجهه في حين أنهم كانوا سباقين في تجسيد الأنبياء في أعمال درامية مثل مسلسليْ “يوسف” و “ابراهيم” وغيرها ولم أجد الآذان الصاغية إلاّ في أوروبا إثر اقتراحي لدى مسرح روما في إيطاليا، وطبعا لدى الجمهور التونسي العريض الذي أعتزّ بالإنتساب إليه، وقد شجّعنا على ذلك وعلى مواصلة عرض المسرحية كما لا أنسى شكر وزارة الثقافة التي دعّمت هذا المشروع وآمنت به.

بعد عيشنا و لا نزال لهته المغامرة والتجربة الفريدة والتي شرفتني وأفتخر بها كثيرا عن الرغم من انسداد الأبواب أمامنا في بعض المهرجانات التي تخاف وهج ونتائج مشاركة هذا العمل اِكتشفنا أنّنا قد خطونا خطوة أولي في أهمّ حدث فاصل في تاريخنا الاسلامي ويليه حدثان فاصلان لابد من التطرق إليهما أيضا وبالتالي تولّدت لنا ثلاثية، فبعد اجتماع السقيفة يوجد حادث الفتنة الكبرى وما تولّد عنها من خوارج هم شبيهون بما نراه اليوم من “دواعش”، ثم معركة كربلاء وما فيها من اِنتصار الباطل أمام الحق ومقتل الحسين الذي أراه كالمواطن العربي الذي سلبوه حريته بعد أن قام بثورة ضد الباطل والاستبداد فراح ضحيتها.

تلوذ بروما كلّما ناداك المنادي، وفي حسابك الخاص على “فيسبوك” نلمس باستمرار حنينا دفينا لهذه المدينة الأزلية، ما حدود المكان في أعمالك وكيف ترسم المدن التي تحب مسرحيا؟

قال لي ذات يوم الفنان القدير كمال العلاوي: “إنّي أرى من خلال استعمالك للظلال في أعمالك يا حافظ وكأنك تنقل الرسوم الحائطية ,لميكيافيلي وميكال انجلو بروما”.

أعتقد أنّ روما هي مهد ولادتي الفنية و ملاذي للتفكير عن بعد من الفوضى التي تعيشها تونس الان و حالة بناء الذات من جديد و هي بمثابة الغذاء الفني والروحي للاستزادة باكثر قدر ممكن من جديد للتجارب المسرحية العالمية التي تمر من هناك.

هي بوابة اروبا و من خلالها اسافر الى برلين و باريس و مدريد و غيرهم من المدن الساحرة و النابضة ثقافيا و معرفيا و فنيا,السفر بالنهاية هو مفتاح كل باداع فهو يمكنك من رؤية العالم بطريقة اشمل وهذا للاسف غير متوفر او غير مهم في بعض الاحيان بالنسبة للبعض من ابناء جيلي الذين للاسف يبقون في ابداعاتهم سجناء الاجترار و التاثر بوهج تجارب اخرى.

مشاريعي أكبر من الحراك الثقافي في تونس

قلت في حوار معك أن مشاريعك أكبر من الحراك الثقافي في تونس، لو تحدثنا بأكثر تفصيلا عن مشاريعك، ثم كيف يبدو لك الحراك الثقافي في تونس حتى تراها أصغر من أحلامك؟

المسرح التونسي كان ولازال يستمد وجوده من دعم الدولة له وهو بمثابة منحة مساعدة على الانتاج ومن المفروض أنّ بقية مصاريف أي عمل تُستَمَدُّ من المستثمرين ولكن للأسف اهتمام رؤوس الأموال لازال يتّسم بالجهل الثقافي والمراهنة على العمل والحراك الابداعي والفني وِاختيار المساهمة بالجمعيات الرياضية كمواصلة لسياسة التفقير الثقافية التي اِنتهجها نظام بن علي في السابق وحالة تهميش جيل بكامله فتكون النتيجة أنّنا نرى أعمالا لا تفوق ستّة أفراد عادة وتنجز في مدة وجيزة دون تروٍّ أو بحث معمق.

ولأن الفعل المسرحي أصبح مرتبطا بلقمة العيش لدى جلّ المسرحيين بتونس، فالحال أضحت مثل حال الحصان والجزرة ولهذا ترى أعمالي تطرح مواضيع مقلقة ومحرجة بعدد وفير من الممثلين ساعيا إلى العودة للمفهوم الحقيقي للمسرح الذي يقوم على قوة الطرحة الفني والفكرى والجمالي بشخصيات مختلفة يكون فيها الاشتغال على الممثل، بالإضافة إلى السعي الدائم  لفتح أبواب مغلقة ومنسية أو لنقل نخاف حتى من طرقها مثل هذه المواضيع التي أقترحتها من خلال أعمالي: مسرحية “حس القطا” والمزاوجة بين الكوميديا الإلهية ورسالة الغفران، ثم مسرحية “جوانح المحبة” والمراوحة بين طوق الحمامة وكتاب الحب لـ “ستندال” ثم مسرحية “زريعة إبليس” وفيها الصراع الفلسطيني بين فتح وحماس من خلال استغلال “الخادمات” لجون جيني و”الفلسطينيون” ومقال “أربع ساعات في شتيلا” ثم مسرحية “طواسين” والحديث عن غربة المفكر من خلال الحلاّج وابن عربي والسهروردي وحمدان قرمط ثم مسرحية “مراحيل” وسبات أهل الكه وزنازين النور وغربتيْ أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام داخل  الوطن العربي وقضاياه، ثم ملحمتيْ “ضفاير وطن” و”باب الوطن” ووقائع حرب التحرير الوطني بالجنوب التونسي التي تم تناسيها كبقية الكفاح الوطني التونسي بالأرياف.

قدمت عديد الأعمال المسرحية الناجحة، ولكنّ حضورك يكاد يكون موسميّا في المشهد التونسي، هل هو اختيار أو اضطرار؟

بل بالعكس، لعلّي أكون من المخرجين الأكثر حظا بالغزارة في الإنتاج والإخراج ولكنّ أعمالي ليست مبتذلة ولا ساذجة، لهذا لا نراها ولا تراني ببعض التلفزيونات الخاصة الذي أصبحت مرتعا للسوقة والرعاع وما أكل السبع ولست بحاجة إليهم ناهيك ما أقوم به من سفر وتنقل بإيطاليا وبقية بلدان العالم للعمل كممثل أو للمشاهدة أو المشاركة بالمهرجانات المسرحية الكبرى.

أعتقد أنّ الحضور مرهون بطول النفس وكلّي يقين أن النجوم التي تسطع بسرعة تنطفئ بشكل أسرع وتتهاوى كالنيازك ثم تتلاشى.

وحتى نلتقي…

نحن الان امام معركة حقيقية ضد الإرهاب وضد الفهم الخاطئ للدين وضد الفوضى والرداءة،  ولكنّ معركتنا أصبحت كذلك ضد النُّخبة في حدّ ذاتها لأنها ترفض المختلف والغير مألوف والجديد وتختار عبادة الأصنام والمسلمات والاستكانة…

وصراحة أنا لا أكترث إليهم أصلا لأنّهم خيّروا الاستقالة أو الإرتزاق… آن الآوان أن نمضي قُدُمًا بأعمالنا ولعلّ عيشي بين ضفتي تونس وروما يسمح لي بالتحليق إلى فضاءات أرحب وحمل أساليب جديدة ومشاكسة تاريخنا العربي الإسلامي الذي يحتاج إلى مراجعة جذرية ووقفة تأملية عميقة …

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أخبار عاجلة
تعليقات مغلقة