الرئيسية أخبار عاجلة بعدما تسبب في الإطاحة بوزير الإعلام: المسرح التونسي على «مذبحة» البرلمان الكويتي

بعدما تسبب في الإطاحة بوزير الإعلام: المسرح التونسي على «مذبحة» البرلمان الكويتي

0 قراءة ثانية
0
0

لطفي العربي السنوسي

عندما يختلط الفن بالأخلاق بالدّين وبالإيديولوجيا ـ زائد الجهل ـ فإنه يتحوّل ـ بالضرورة ـ الى «فنّ بذيء» خاصّة إذا ما كانت العين التي تبصره «عين قبيحة»… القبح بما هو جهل بأصول الفن وشروطه.. وإذا ما اقتصر تقييم الفرد للفنّ على ما هو مكبوت ومقموع في داخله… بحيث يتحوّل هذا «المكبوت» الى مرجع أساسي لتقييم الفنّ ما نعتبره كارثة على الظاهرة الفنية وسببا من أسباب تخلّفها…

وعندما يتحوّل الفقهاء والكهنة والمشعوذون الى نقاد للفن مهما كانت محامله فإنّ ذلك يعني نهوضا جديدا لمحاكم التفتيش ولسلطة الكهنة بما هي مطاردة شرسة للفنانين والشعراء والكتاب والمسرحيين لإخراجهم من المدينة الفاضلة.. لقد نقم أفلاطون على الشعراء والفنانين وأطردهم من «مدينته» كونهم صنّاع خديعة و«عرابدة» تتعارض أعمالهم مع الأخلاق واستهجن «أفلاطون» الشعر فلسفيا واعتبره عملا حقيرا لا ضرورة له في مدينته الفاضلة فأطرده.

والمتأمل في التراث الثقافي العربي والإسلامي في فتراته الأكثر ازدهارا والتماعا يدرك مدى تحرره من سلطة الدين والأخلاق ويدرك مدى تسامح هذه الثقافة التي قدّمت لنا «أبو نواس» في خمرياته ومجونه الخلاّق (القرن الثاني) وقدمت لنا المعرّي بفكره الجريء السابق لعصره وابن حزم في فصوص الحبّ والعشق.

نحن اليوم في زمن الانحطاط ـ ولا شكّ ـ زمن يترك فيه «المفتي» دار الافتاء ليضع العمامة والغمامة والغشاوة على مباهج الفنّ والجمال… زمن يكفّر الفنّ والفنانين ويصفهم بأرذل الصفات والنعوت… فهم صنّاع عهر ورذيلة ووجودهم في «ديار الإسلام» هو تدنيس لهذه الديار… زمن يصلب فيه الشعراء على رؤوسهم ويقطعها بإسناد فقهيّ يمرّر «الكلام» (الخطاب الفني) على مذبحة التأويل قبل تمرير الرؤوس على مذبح المقصلة…

المسرح التونسي في «مذبحة البرلمان الكويتي:

المقدمة التي وضعناها هي في الواقع تعقيبا على الحملة الشرسة التي شنها أحد البرلمانيين الكويتيين وهو النائب السلفي وليد الطبطبائي… حملة شرسة على المسرح التونسي وتحديدا على مسرحية «برج الوصيف» للمخرج التونسي الشاذلي العرفاوي التي عرضت في السنة الماضية بالكويت ضمن مهرجان الهيئة العربية للمسرح وتذكّرها ـ الآن ـ بعد عام ووظفها ضمن حملة برلمانية للإطاحة بوزير الإعلام وزير الدولة لشؤون الشباب في الكويت الشيخ سلمان الحمود الصباح الذي استقال ـ بالفعل ـ أوّل أمس بعد الضغط الذي لقيه من طرف برلمانيين محسوبين على التيار السلفي.

النائب المشار إليه وصف المسرح التونسي بأقذر الأوصاف… فهو مسرح عاهر ورذيل جاء بـ «القذرات» ليدنّس أرض الكويت ولإفساد شبابها وأنه لن يسمح بعرض مثل هذه الأعمال في الكويت في إشارة الى مسرحية «برج الوصيف» للشاذلي العرفاوي ومسرحية «عنف» للفاضل الجعايبي فهي أعمال مدمرة للمجتمع الكويتي ـ بحسب توصيفه ـ وقد وجدت هذه الحملة البرلمانية إسنادا من طرف عدد من الإعلاميين الكويتيين وعدد من أعضاء المجلس الأعلى للثقافة بالكويت من ذلك ما كتبه بدر الرفاعي والذي شهّر ـ بدوره ـ بالمسرح وبالمسرحيين التونسيين… والأمر لم يتوقف عند هذا الحدّ حيث استعرض النائب السلفي وليد الطبطبائي صورا «شنّعت» بالممثل التونسي عبد القادر بن سعيد وأظهرته في مظهر «مخلّ بالآداب» وهي صورة خادعة ـ في الواقع ـ باعتبار أنّها لم تكن ملتقطة من الأماكن العامة في شوارع الكويت وإنما هي صورة فنية تعبّر عن طبيعة الشخصية المسرحية التي أدّاها الممثل عبد القادر بن سعيد وقد التقطها جماعة «الفايسبوك» في الكويت وقصفوا الممثل التونسي بما هتك عرضه وأحرجه أمام عائلته…
وقد أصدر الفاضل الجعايبي في هذا السياق وبصفته المدير العام للمسرح الوطني وهو الطرف المنتج للعمل المسرحي المشار إليه بيانا ندّد فيه بالحملة البرلمانية الكويتية على المسرح التونسي وجاء في موقع من هذا البيان : «المسرح التونسي ككل القوى الحيّة المستقلة المتحرّرة من الرواسب والتبعيات والتحالفات ماض للمساهمة في تكريس دولة القانون في تونس متحديا التقاليد البالية والقوى المحافظة والظلامية مدافعا عن حقه ان لم نقل عن واجبه في تطوير الفكر والفن المتحررين التقدميين المعاصريين أشكالا ومضامين».

ويضيف : «المشكلة سياسية ولاريب في ذلك حيث يتعلّل السياسيون كالعادة بالعادات والتقاليد والدين والحياء والأخلاق لرمي الطلاسم على الناس ولإخفاء المشكلات الحقيقية وهي توق المواطنين الى حريات أكثر والى الجرأة وتجاوز الضيق والقمع والإحباط الذي يعيشون فيه».
من جهته ردّ الشاذلي العرفاوي مخرج مسرحية «برج الوصيف» بقوله : «إنّ تصريحات النائب الكويتي مخلّة ـ بدورها ـ بأخلاق التعامل والحوار بين الأشقاء وهي مبالغ فيها وتنمّ عن جهل في التعاطي مع الأعمال الفنية والمسرحية بل هو لم يشاهد المسرحية أصلا وإنما استعمل صورا منها لتصفية حسابات سياسية وللإطاحة بوزير الإعلام الكويتي…». ويطالب الشاذلي العرفاوي بردّ من البرلمان التونسي المؤهل ـ دستوريا ـ للردّ على البرلماني الكويتي الذي استهدف ـ حسب رأيه ـ سيادة الدولة التونسية باعتبارها الطرف المنتج والداعم للعمل المسرحي المشهّر به… كما طالب بضرورة أن تتحرّك وزار الثقافة وأن تخرج من صمتها ومن غيبوبتها وأن تدافع عن الأعمال التي تدعمها وعلى مبدعيها…

ذائقة معطلة:

في عود على بدء نقول انّ المشكل في ذائقة النائب الكويتي الذي تعاطى مع العمل المسرحي وشاهده «بعين قبيحة» مرجعه في ذلك ما هو مكبوت ومقموع في داخله… «فالتلقي البذيء» للأعمال الفنية ينتج عنه بالضرورة «خطاب نقدي بذيء» يتمثّل رغباته الخاصّة… فلنأخذ ـ مثلا على ذلك ـ للاقتراب من ذائقة النائب السلفي المشار إليه… ولنفترض مثلا أننا أمام مشهد مسرحي فيه «امرأة فاتنة»… فتلقي المشهد ـ هنا ـ له درجتان درجة أولى ـ هي الدرجة الصفر ـ فإن كنت (كمتلق) تعاني من مكبوت جنسي وأن خيالك مشدود أو مسجون داخل هذا المكبوت فإنّ تفكيرك لن يتجاوز «التفكير البذيء» الذي يتلذّد بالمشهد ويقدّره أو يقيّمه من داخل هذه الذائقة المريضة والمكبوتة دون أن تكون له القدرة على إدراك المعاني الفنية والجمالية للمشهد.

الدرجة الثانية هي التلقي الواعي بشروط الفن الذي يتلقى الجمال كخصيصة وكسمة من سمات العمل الفني والابداعي وهي درجة من التلقي متحررة من كل ما هو مكبوت ومتفوقة عليه تبحث ـ لحظة تأملها ـ لمشهد وصورة «المرأة الفاتنة» عن الخصائص الفنية لهذه الصورة وبالتالي فإن مشكلة النائب الكويتي الذي اعتبر المسرح التونسي عاهرا وبذيئا إنما تكمن في «عينيه» التي ابصرت وفي عقله الذي تلقى العمل من داخل المناطق «المكبوتة» فهي مرجعه التي انتجت في الآخر «خطابا بذيئا» تجاه عمل مسرحي يعتبر من بين أهم ما انتجه المسرح الوطني في السنوات الأخيرة.

بقي أن نشير ـ في الآخر ـ أن في دولة الكويت الشقيقة كتابا ومثقفين وأعلاميين أكبر من «هلوسات» النائب المشار إليه الذي نجح ـ للأسف ـ في الاطاحة بوزير الاعلام وزير الدولة لشؤون الشباب مع العلم أن هذه الحملة «البرلمانية» التي وظف فيها المسرح التونسي «كحطب معركة» أنما تستهدف أيضا الهيئة العربية للمسرح التي كانت استضافت الاعمال التونسية المشار اليها في دورتها الثامنة التي انعقدت بالكويت لتدميرها ولضرب مصداقيتها وهي التي افتكت مساحات شاسعة في الساحة العربية والتي كانت حصرا على المجلس الأعلى للثقافة بدولة الكويت الذي تراجع حضوره وتحوّل إلى مجرد هيئة محلية بآليات عمل بالية وهذه حكاية أخرى نعود إليها في ورقة قادمة للحديث عن ««المسرح الحلال» ـ ايضا ـ كغواية خليجية.

————
جريدة الصحافة التونسية

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أخبار عاجلة

اترك رد