الرئيسية ثقافة وفنون ابداع تعود معي.. أو أعود معك

تعود معي.. أو أعود معك

0 قراءة ثانية
0
0

أمنة الرميلي

1 ـ
ــ “إمّا أن تأتي معي أو أعود معك!”..
كان يتواجهان كديكيْن وسط الشّعاب الجبليّة الشّهباء.. لا شيء غير جبال وراء جبال وراء جبال، والأودية ترتمي سحيقة بعيدة الغور، كالحة الأنياب.. والقمم تنتشر كالإبر الضّخمة أو كظهور جمال خرافية..”إمّا أن تأتي معي أو أعود معك!”.. ردّد الصّدى في قاع الوهد الممتدّ تحت شبحيهما..يتواجهان كديكين، في قيافة أفغانية تطبع المشهد كلّه بشراسة ما بعدها شراسة..
2 ــ
وسط إحدى القرى على الحدود الأفغانية الباكستانية التقيا، وسط الصّراخ والحراب وبنادق الكلاشنكوف التقيا، ذات هجمة على سيّارة صحفيّة أجنبيّة في هذه القرية المرميّة وسط الجبال والأودية..كأنّ الله نفض يده من آخر ما خلق فسقطت هنا.. فيها التقيا، جمعتهما لحظة من تدبّر الموت والحياة.. مجموعة من المجاهدين الأفغان، يتمنطق رجالها بأحزمة مثقلة بالخراطيش يبرق نحاسها الماكر في أشعّة الشّمس فيخطف الأبصار ويوجّهون غابة بنادقهم إلى سيّارة الجيب الصغيرة. لم تشفع بطاقة الصحافة المرفوعة بين الأصابع المرتعشة في الهواء، ولا ترديد الصّحفيين الأجنبيّيْن “بْراسْ..بْراسْ..بْراسْ” ولا ما كان يقوله السائق مرتعشا باكيا للجماعة.. وُضعت البنادق في الرّؤوس الثلاثة وسيقوا معصوبي العيون والأيدي إلى الدّغل الذي قفز منه الصيّادون عليهم فجأة..
3 ــ
سقطوا في الظّلمة والصمت، بعد ساعات من العنف والأسئلة والتّهديد.. عملاء أمريكا؟.. نحن صحفيان!.. بل عملاء!!.. بل صحافة!!.. وهكذا في سلسلة من العذاب تمتدّ بلا نهاية.. وسط الوجوه المشعّرة المخيفة والجلابيب الهابطة إلى ما فوق الكعبين.. وتلك السّراويل الفضفاضة تطلّ مترجرجة بعنف سريالي يملأ العين والقلب بالفزع .. هكذا كان حاله وهم يستجوبونه ليقرّ بأنّه من عملاء أمريكا.. أنا مبعوث قناة فرنسية إلى بلادكم.. ننقل صورة صحيحة عن أرضكم وشعبكم.. هذا قصدنا، أنت فرنسي؟ لا.. أعمل في قناة فرنسية.. أنا من تونس!.. وانتفض الأفغانيّ الجالس في ركن الغرفة المخروبة في البيت الذي دُفع إليه وسط الحراب والظلام الدّامس.. رآه ينتفض أو هكذا بدا له.
4 ــ
ارتفع على موجة الصّوت من عالم الحلم إلى عالم اليقظة..”يا امّيمتي الغاليّة..”، انفتحت السّماء المظلمة في عينيه المملوءتين بالنوم على مجرّات وعناقيد من الأقمار والنّجوم.. كتم صرخته واكتفى بالرّفرفة والرّقص على أنغام الصّوت المضمّخ بروائح الليل والجبال، ماج جسده مع النغم المترقرق رغم قيده الحديدي المشدود إلى حلقة حديديّة غليظة، يربطوننا كالأحمرة..قال لمرافقه الألماني.. وضحكا ..”مشتاﭭـلك مشتاق..” هذا عقبة يغنّي أمّه في انتظار صلاة الفجر..للمرّة الثانية يسمعه يغنّي .. منذ سأله ذلك اليوم بعدما رمى له بلفافة الأرزّ البارد المخلوط بقطع الدجاج.. ردّد الصوت الشجيّ: “مشتاﭬـلك مشتاق..”، تحوّل رقصه إلى تهويم بالرأس واليدين تسقيه الدّموع والشّهقات المكتومة ورنين السلاسل.. هذا عقبة يغنّي أمّه في انتظار صلاة الفجر! دوره الليلة أن يحرس الخرابة ومن فيها، وكان سمعه قبل ذلك بليلتين أو ثلاث يدندن على ضوء القمر الخافت المتسرّب من شقوق النافذة الحديدية الواطئة.. “ريحة البلاد يابا.. ورد وياسمين يابا يابا..”..
5 ــ
عقبة..فيأتي، عقبة.. فيروح..عقبة فيلبّي.. غنّ يا عقبة فيغنّي.. هؤلاء المجاهدون..! لهم وجوه كثيرة..! يسمعهم يكلّمونه أو يكلّمهم بالأفغاني عموما وبالإنجليزي أحيانا.. يسمعه يضحك فتدخل ضحكته قلبه، يضحك بطريقة مختلفة، هكذا تعلو ضحكته فجأة وسرعان ما تنتهي.. يضحك في قيده حين يضحك عقبة، ملاَّ كَعْبة!!.. ذات مغرب وهو يقوم بدورته المعتادة تحت أسلحة الحرّاس ولحيّهم السّوداء الصارمة، في فضاء “البيت ــ السجن ــ الخربة”، هكذا يسمّيه بينه وبين زميله الألماني..نطيل اسمه حتى نتلهّى قليلا عن وضعنا! يضحكان بين التهديدات والزّيارات العنيفة وأفواه البنادق المصوّبة إليهما دائما.. ويوم أطلق سراح السّائق حاولا أن يجعلا منه نكتة..لمَ هو؟ من دفع فيه فدية؟ قال الألماني: لعلّه قبض ثمننا قبل أن يوصلنا..! في ذلك المغرب وهو يقوم بجولته اليومية القصيرة سمعه يغنّي.. منذ سمعهم ينادونه عقبة دقّ مكان بعيد في ضلوعه..عقبة،، الجامع الفخم، وعناقيد الكريستال تتدلّى من السقف الظّليل.. والأقواس، الأقواس، الأقواس.. وأصوات الذّكر صباح الأعياد..”سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين..” وجبّة أبي السّكرودة تلصف تحت أضواء المسجد القيرواني المترع بالرّوائح والآيات..
6 ــ
دفع الباب الواطئ بعنف ودخل تتقدّمه فوهة الكلاشنكوف الأنيقة اللّابدة مع جنبه.. رمى لكلّ منهما بلفافة ووقف متأبّطا شرّه.. ككلّ يوم تقريبا، أرز أبيض تخالطه قطع دجاج صغيرة..كان قد قرّر أن يعرف اليوم..عقبة.. جزائري؟ مغربي؟ تونسي؟ ليبي؟ مصري؟ لم يسمعه يتكلّم إلاّ بالأفغانية أو الانجليزية.. فتح اللفافة ففاحت رائحة الأرزّ المدجّج.. في البداية أعجبته الرّائحة، غمز الألمانيّ والسّائق قبل أن يطلق سراحه: ليس سيّئا!.. ولكن بعد مضيّ كلّ هذه الأيّام أصبحت الرائحة غير محتملة، تذكّره بقدميه المقيّدتين وبحاجته يقضيها تحت الحراسة وبجولته بعيْد المغرب مع صاحبه الألماني، يطوفان بالبيت الهرم المتهدّمة حواشيه ويرميان بنظرهما عبر رؤوس الأشجار في هذا الفضاء المعمور بالصّخور والغابات.. “ما ثمّاش صْحَيِّنْ كسكسي براس امّك؟! تِبْسي هكّة مكوّم بالكسكسي واللحم والحمص والزبيب؟؟!..” لم يتكلّم عقبة..ولكنّ موجة عنيفة هزّت ملامحه كلّها..موجة حمراء ضربت كلّ ما أبقاه سواد اللّحية من نحاس البشرة.. لم يتكلّم عقبة ولكنّ رموشه تخبّطت طويلا قبل أن تستقرّ في عينيه تلك النّظرة الباردة السّاهمة..
7 ــ
والدّنيا مصبوغة بلون دموي تسقي به الشّمس الغاربة رؤوس الأشجار والصّخور وتجعل المشهد أقرب إلى قبلة عشق دراكولي طويلة، وهو يبدّل الخطو على وقع سلاسله وسلاسل صاحبه في جولتهما المسائية القصيرة، والكون يستلقي خضرةً مسقيّة بالحمرة والظّلال في لوحة لانهائية من موج الجبال والأودية..سمعه يغنّي.. ثم رآه .. “يا أمّي.. يا أمّي.. يا أمّي..” وصوته يسيل في الفراغ وتتلقّاه رؤوس الجبال وقلوب الأودية.. بالفصحى كان يغنّي..يمسك بندقيته مركوزة في الأرض بجانبه .. فوهتها إلى الله كإصبع الشّهادة وهو يجلس على رأس صخرة ضخمة ووجهه إلى الخلاء..”إن استشهدتُ يا أمّي..”، كان صوته شفيفا حزينا جميلا..تحرسه بندقيته الممشوقة كتابوت قبر.. سأله رفيقه الألماني: ماذا يقول؟ .. لم يلتفت إليه، وضع يديه في شكل بوق وصاح: “توحّشْت العزوزة؟؟..”، ورغم انقضاض الحارس عليه ودفعه بقوّة في الاتّجاه الآخر فإنّه رأى عقبة ينكّس رأسه وتنتفض كتفاه بالبكاء..
8 ــ
شاهي شكشوكة بالفلفل والطماطم والبصل وفي وسطها عظمة مروّبة خوي عقبة .. ممكن؟ وضحك.. انتظر قليلا.. آش مجيبك لها الخلى المخلي؟ كيفاش سلّمت في تونس وجيت هنا بربّي؟! بحر سوسة!.. وقمح باجة!.. ومقروض القروان!.. ودﭬـلة الجريد!.. لم يردّ عقبة، ولكنّه ترك الأسيرين يأكلان دون فوّهة البندقية..
9 ــ
انت منين؟ ..من القيروان.. وانت؟ من الجنوب.. بكلها تونس.. صحيح، بكلها تونس!..
10 ــ
أرجوك يا عقبة.. قل لي.. فقط قل لا أو نعم.. هل قتلوا الصّحفي الألماني؟ أخذوه منذ الأمس ولم يعد..هل أطلقوا سراحه؟ قل لي يا عقبة..هل قتلوه؟ هل سيقتلونني؟ قل لي يا ولد بلادي.. سيقتلونني؟ ستقتلونني؟ قل يا عقبة!..
11 ــ
ـ إمّا أن تأتي معي أو أعود معك!..
وهما يتواجهان كديكيْن وسط الشعاب الجبليّة الشهباء، وذرى الجبال تسرح من حولهما بلا انتهاء.. والقيافة الأفغانية تجعلهما منسجمين تماما مع شراسة الأرض ولونها الكالح..ستأتي معي يا عقبة أو أعود معك.. عليك أن تأتي معي لا خيار لك..سيقتلونك لو عدت إليهم..يعرفون أنّك هرّبتني وليس أمامك غير الموت ولن أتركك لهم.. إمّا أن تأتي معي أو أعود معك ولنمتْ معا .. لن أتركك لهم.. لا تقل لي مرّة أخرى لم يعد عندك ما تفعله في تونس..لن أسمعه منك مجدّدا.. يتواجهان في بحر من الجبال والأودية والمنحدرات والذّرى في هذه الأرض المزروعة بالصّخور والالتواءات والأودية السحيقة.. يتواجهان والشمس تهمّ بالبزوغ من ناحية الشرق..وحيديْن، قريبين، بعيدين.. لا شيء حولهما غير الفراغ والخوف والغربة..

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
  • نَـعْــــيٌ (شعر)

    فتحي مديمغ * أنْـعَـى فَـرَحِـي… أنْـتَـعِـلُ حُـزْنِـي… أدُوسُ على قَـلْـبِـي…
  • أنا (شعر)

    شعر: فتحي المديمغ لَـوْ كُـنْـتُ مِـنْ رَعَـايَـاالـقُـصُـور و الأغْـنـيَـاءْ… لَـوَ…
  • الباب (شعر)

    شعر: عبد العزيز الهمامي أَدُقُّ بَـابَــكَ لاَ حِــسٌّ وَ لاَ خَــبَــــــرُ طَـالَ الوُقُ…
تحميل المزيد ابداع

اترك رد