الرئيسية ثقافة وفنون ابداع الحفرة التي تبتلع كلّ شيء – المارقات- 

الحفرة التي تبتلع كلّ شيء – المارقات- 

0 قراءة ثانية
التعليقات على الحفرة التي تبتلع كلّ شيء – المارقات-  مغلقة
0

جمال الجلاصي *

لأكثر من ثلاث سنوات لم أكن سوى الحفرة بين ساقيّ، وأحياناً أفكّر أنّ نهديّ ينفعان أيضاً فأسمح لبعض الزبائن بلمسهما ومداعبتهما.
لم يفكّر أحد منهم ولو مرّة بتقبيل فمي بمداعبة كتفي بلمسة حنونة أو تلمّس شعري، أو مسح ظهري بكفّه. الكلّ يفكّر بالحفرة المفتحة تحته ويتوهّم أنّه الفاتح الغازي.
كنت الحفرة التي تبتلع كلّ شيء. وكنت انتظر أن تمتلئ هذه الحفرة وأن تفيض بما فيها، أن تخرج السّوائل من أذنيّ وأنفي وفمي ومحجري. لكنّها ظلت تبتلع دون ارتواء. 
هل كان قدراً أن أكون امرأة؟ كم حلمت أن أكون كلبة في إحدى القرى أركض بين الحقول وأساعد الرّاعي في حراسة قطيعه. أن أمدّ أغصاني مثل خروّبة الوادي. لم أصارح نفسي قطّ أنّ الرّكض كالكلبة ومدّ الأغصان كالخرّوبة أمر مستحيل.
بعد ساعات من التمدّد على الكرسيّ والنّظر إلى البحر الذي لا يتغيّر، تحت شمس الصّيف تتداخل الأفكار في رأسي، حتى لم يعد يفضّل واحدة على أخرى. كلّها تتقدّم متشابهة عائمة على الأمواج تطفو ثم تغرق، فاقدة لأيّ ميزة أو شكل تجعل رأسي تُقبل على واحدة دو غيرها.
حتى فكرتي حول شخصي تصبح كذلك باردة وبعيدة، كما لو أنّها خارجة عنّي، مخدّرة وفاترة، شأنها شأن كلّ الأشياء التي تظلّ طويلاً تحت الشّمس القوية.
لا شيء يشدّني إلى الماضي.
لا شيء يدفعني إلى الأمام.
فقط ذكراه تجعلني أتشبّث بالحياة، أو بما تبقّى منها في شراييني. لكن لماذا حين أتذكّره ترتسم عيناه في ذاكرتي. عيناه ليستا واسعتين لكنّهما عميقتان كبركتين صافيتين. سوداوين، بذرّات ذهبيّة تسبح فيهما تتراءى وتغيب بحسب قوّة الضوء. في الوسط، البؤبؤ الأسود، مدخل مغارة رطبة آمنة تحيط بها رموش طويلة سوداء تحميها من الغبار، وأشعّة الشّمس القويّة. بهذه العينين يرى محمّد علي الأرواح… عمق الأرواح… كما تكشفان كنافذتين على شمس روحه وصفائها.
ما حدث وما سيحدث مكتوب على أمواج البحر الرّاقصة، الرّاقصة الآن أمام نظراتي المرتعشة من جرّاء الدّموع السّائلة… لا. ليس حزناً، أو ندماً، إنّما شوقاً ويُتماً… يتيمة عينيه أنا، يتيمة يديه.

———–

* كاتب ومترجم تونسي

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
  • نَـعْــــيٌ (شعر)

    فتحي مديمغ * أنْـعَـى فَـرَحِـي… أنْـتَـعِـلُ حُـزْنِـي… أدُوسُ على قَـلْـبِـي…
  • أنا (شعر)

    شعر: فتحي المديمغ لَـوْ كُـنْـتُ مِـنْ رَعَـايَـاالـقُـصُـور و الأغْـنـيَـاءْ… لَـوَ…
  • الباب (شعر)

    شعر: عبد العزيز الهمامي أَدُقُّ بَـابَــكَ لاَ حِــسٌّ وَ لاَ خَــبَــــــرُ طَـالَ الوُقُ…
تحميل المزيد ابداع
تعليقات مغلقة