الرئيسية أخبار عاجلة صالح الزغيدي وقد «مثّلت» بروحه رهوط الجاهلية «اذهبوا فأنتم الطلقاء..!؟»

صالح الزغيدي وقد «مثّلت» بروحه رهوط الجاهلية «اذهبوا فأنتم الطلقاء..!؟»

0 قراءة ثانية
التعليقات على صالح الزغيدي وقد «مثّلت» بروحه رهوط الجاهلية «اذهبوا فأنتم الطلقاء..!؟» مغلقة
0

بقلم: لطفي العربي السنوسي

من مرويات البخاري ومسلم: أنه حدث ان مرت جنازة برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام لها.
فقيل له: انها جنازة غير مسلم… فقال: «أليست نفسا..؟»

هذه واحدة من صفات الرسول عليه الصلاة والسلام وسمة من عظمة اخلاقه وعبقرية تدبيره في شؤون الدين والدنيا وحكمته في تجميع البشر ـ حتى وان كانوا من غير المسلمين ـ (وانك لعلى خلق عظيم) ـ اخلاق لا تتسع لها الانفس البشرية التي جبلت على الحقد والكراهية وهي تبادل خصومها والمختلفين في الفكر والفهم عداء وحقدا وكراهية بما لا تحتمله النفس البشرية التي أعلى الله سبحانه من شأنها وخصّها بمرتبة عليا: «لقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» (سورة الاسراء / 70).

تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم الى كل اشكال الأذى ولم يسلم من ذلك بيته واتباعه وآله وصحبه.. وكما جاء في كتب السيرة فان الرسول لم يحقد على اعدائه وخصومه ولم يواجههم بالانتقام او بالتحريض والدعاء عليهم بل كان رحيما بهم لا يرد على غيّهم وجهلهم بغير الحلم والمغفرة والتسامح تجسيدا لروح الدعوة ولصميم قيمها الانسانية والحضارية، لقد كان متسامحا مع اعدائه من غير المسلمين رؤوفا ورحيما بألدّهم وأشدهم نفاقا وابواب الامثلة عن السيرة النبوية متعددة ولا تحصى من ذلك صلاته على «ابن ابي سلول» احد اكبر خصوم الرسول واكثرهم خديعة ونفاقا وكان زاره اكثر من مرة قبل وفاته ونزل على قبره وألبسه قميصه ـ كما ورد في السيرة ـ… و«ابن ابي سلول» هو الذي هتك عرض الرسول في حادثة «الافك» وأذاه… وكذلك فعل «المصطفى» مع رجل من مشركي قريش كان يضع القمامة في طريقه وحينما خرج الرسول في احد الايام ولم يجد القمامة في طريقه سأل عن الرجل فقيل له انه مريض فذهب اليه وزاره في بيته… وهذه واحدة من التجليات العظيمة للرسول عليه الصلاة والسلام وهو الذي صرخ في فتح مكة امام مشركي قريش: «ما تظنون أني فاعل بكم»… قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم.
قال: «اذهبوا فانتم الطلقاء…».

لم يواجه الرسول اعداءه بالحقد والكراهية بل كان شديدا عليهم بتسامحه الذي أحرج خصومه واعداءه ودفعهم الى اعلان اسلامهم وهذه حكمة من حكم الدعوة حيث لا نفور ولا نفير ولا حقد ولا كراهية حتى مع الاشداء عليه ممن آذوه اذاء عظيما لقد كان يواجههم بالعفو والمغفرة أسوة بقوله تعالى: «والكاظمين الغيظ والعافين من الناس والله يحب المحسنين» (آل عمران 134) أو كما جاء في قوله تعالى: «ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم»…

عودتنا الى السيرة النبوية والتذكير بصفات الرسول واخلاقه العظيمة وكم كانت أبواب الرحمة والتسامح لديه مفتوحة ومشرعة وشاسعة بلا منتهى لبكاء الحال الذي وصل اليه «رهط» من المتكلمين اليوم باسم الاسلام ورسوله ممن نصّبوا أنفسهم شيوخا على أبواب الرحمة وأولياء عليها وقد وضعوا على رؤوسهم عمامة الافتاء بالباطل… لقد انحطوا الى أسفل السافلين والى ذاك القاع وما بعده قاع في شتم الذات البشرية وهي مسجّاة بين يدي الرحمان… لقد مثّلوا ـ لعنهم الله ـ بالفقيد الراحل لتوّه المناضل السياسي صالح الزغيدي ورجموه بأثقل الالفاظ ورموه بحجر غليظ من «الفتاوى البغيضة…

على تلك الصفحات الموبوءة والتي لا تخفي جيرتها بـ «الاخوان» تجيشوا وأطلقوا النفير القبيح واصطفوا اصطفافا اعمى لرجم «الجثة» والتمثيل بها بدعوى ان الفقيد ملحد وبالتالي لا تجوز عليه الرحمة ـ أصلا ـ ولا الصلاة وبأن دفنه في مقابر المسلمين هو فعل موحش لا جواز له وفق شريعتهم… هؤلاء زنادقة حقيقيون بقلوب متصلبة يهرفون بها يجهلون ويفتون بما لا يعرفون لا عمامة ولا إمامه غير غشاوة على البصر والبصيرة وفي غيّهم يعمهون…

عندما نراجع السيرة النبوية ندهش لعظمة الرسول في تسامحه حتى مع ألذهم وأشدهم عليه وعلى الاسلام بل هو تسامح مع من رافقه الى مكة للغدر به وقتله (فضالة بن عمير بن وهب).

ندهش من تسامحه مع من عذبوه وأدموه وهتكوا عرضه وعرض أهل بيته ونسأل أي «رهط» هؤلاء من أي سلالة والى أي دين ينتسبون.؟ وهم على هذه الجهالة العظيمة…!!

لم يكن صالح الزغيدي رحمه الله ملحدا أو رجل إلحاد ـ كما نكلوا به على صفحاتهم ـ لقد كان رجل فكر ونضال نذر نفسه لمقاومة كل أشكال الردة والانتكاس التي نهضت بعد الثورة قاوم طموحات الاخوان في مسعاهم لإقامة دولة الخلافة وكان ضد توظيف المساجد لمقاصد سياسية ولم يدع أبدا الى اغلاق المساجد أو مراقبتها مراقبة بوليسية كما ادعوا عليه… وكان يدعو خصومه الى مناظرات فكرية والى مواجهات لمقارعة الحجة المعرفية بالحجة الفقهية… توزعت تجربته النضالية بين النضال الحزبي والنقابي والحقوقي ولم يحقق شيئا لذاته… لا مالا ولا جاها ولا عقارا ولا سلطة فقط له حريته التي افتكها لنفسه كمناضل مستقل من أجل ترسيخ قيم العدالة والحق والحرية وعاهد نفسه على ذلك ودفع الثمن باهظا جدا…

لقد كان صالح الزغيدي رجل حق ومناضلا فذا وصميما ولم يطلب لنفسه غير الراحة والطمأنينية…
لم يكن لصّا أو فاسدا أو مخاوزا… ولم يكن انتهازيا… لم يقتل ولم يسفك دماء ولم يحمل سلاحا كانت قوته فقط في لسانه وفي قلمه وفي أفكاره وفي رؤيته لتونس التي أرادها الى رمقه الأخير حرة مستقلة وأرضا لكل أبنائها مهما اختلفوا… أرض تعايش للكل بما في ذلك هذه «الرهوط» التي شيعته ودعت الى عدم الترحم عليه… وأخرجته ـ تماما ـ من الملّة… لا شيء لدينا لنقوله لهؤلاء غير ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام لمشركي قريش في فتح مكة «اذهبوا فأنتم الطلقاء»…

———

*جريدة الصحافة اليوم

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أخبار عاجلة
تعليقات مغلقة