الرئيسية ثقافة وفنون أخبار قابس في المدينة: حين تهبّ روائح تاكابيس وتعزف أهازيج أفراحها في قلب العاصمة

قابس في المدينة: حين تهبّ روائح تاكابيس وتعزف أهازيج أفراحها في قلب العاصمة

0 قراءة ثانية
0
0

حنان مبروك

هي تاكابي في أعمال المؤرخ أبوليوس وهي أيضا تاكابيس أو تاكاباس، كانت تعرف في العصر البربري باسم تاقابس، ثم عُرفت عند الرومان باسم تاكابتيوس، وعندما حكمها العرب حذفوا الـ(تا) من بداية اسمها البربري لتصبح قابس، ويظل اسمها مستخدماً حتى زماننا هذا.

قابس، تلك الجميلة بأهلها وتقاليدها، المليئة بالأسرار التاريخية والكنوز الإبداعية، حلّت في مدينة الثقافة بالعاصمة كي يكتشفها من لا يعرفها، تبعث الحنين في أبناءها المغتربين عنها وتشدّ انتباه أهل الشمال إلى قلب تونس الجميل.

روائح موروث لامادي “قابسي” يبعث فيك الحنين لأزمنة بعيدة لا تكاد قدماك تتجاوزان باب المدينة الرئيسي، حتى تجد نفسك أمام قابس بملامحها الكبرى، وكأنك تتجوّل في أسواقها العتيقة، فتمرّ ببائعي المظلات الشمسية، التي تحيكها النسوة من “السعف” أمام ناظريك، وتضعنها للبيع “عذراء” كما روجت لسنوات، وبجوارهن نسوة أخريات اخترن التجديد في الموروث التقليدي فصنعن من “السعف” مظلات مزيّنة وقفاف حديثة تصلح لتكون حقائب نسائية أنيقة أو قفة للتسّوق ترضي غرور الصبايا في مواكبة الموضة والعودة للأصل. وليس ببعيد عنك، تجد المرقوم والكليم، وتحيك أمامك إحدى الحرفيات نسخة مصغّرة من بضاعتها، علّها تطلع المتفرّج على أهمية حرفة الأجداد ودقّة نسجها وذوق النساجين المختلف، وهي تفرش أمام الزائرين جزءا كبيرا من بضاعتها، مختلفة الألوان والأحجام والأسماء.

وتحملك خطواتك مسرعة في اتجاه النموذج المصغّر لمحلات الذهب والفضة، لتشتم رائحة “خلال” الجدّة وتتلذذ بموسيقى” خلخال ومشامير” العمة، وتجد نفسك أمام موروث تقليدي من الذهب والفضة يلبس مع التخليلة وتتزيّن به النسوة في الأعراس. وقبالة المحلّ تقف شاخصا أمام جمال “تصديرة” عرسان ذهبية يزيّنها شابات من قابس لبسن التخليلة التي يختلف تطريزها ولونها من جهة لأخرى وزيّنها بأنواع الحلي “العربي”، فيسافر بك خيالك الى عوالم من هذا الوطن، اساسها الفرح وحب الحياة.

وكيف تزور قابس التي قدمت لك في أبهى حلتها ولا تداعب أنفك روائح عطرة من الحناء القابسية والبهارات؟ تلك الروائح المنبعثة من إحدى الجهات المخصصة للعرض، وفيها تتلذذ برائحة التمور الزكيّة وطعم البسيسة التقليدية الشهيّة التي قدّمت للمتذوقين بأصناف مختلفة تغري بعضهم للشراء وتبعث في آخرين الرغبة في معرفة كل المكونات وفوائد بقية المعروضات من ربّ التمر والشريحة والخرّوب وكيف يستخدمها أهالي قابس في مطبخهم اليومي والمناسباتي.

ولم يكتف أهالي قابس بعرض موروثهم التقليدي، بل اختاروا ركنا من المدينة، لتقديم أحد ألذ وأجود أنواع الشاي التونسي، الشاي الأخضر الممزوج بأوراق زهرة الياسمين، ذلك الذي تهافت عليه زوار المدينة معبّرين عن اعجابهم برائحته الزكيّة وطعمه المختلف. حين تعشق الأذن قابس قبل العين من يقول قابس، ربما لا يخطر بباله أسماء كبيرة من الفنانين أو المبدعين التونسيين، ويرتبط الفن في مخيلته بالموسيقى الشعبية والموروث التقليدي الذي يمارسه أهالي المدينة في أفراحهم.

ورغم أن قابس حلّت في المدينة حاملة افراحها وليالي الأعراس الهنيّة فيها، وصورت للزوار يوم الحنة القابسية، الا أنها قدمت ومعها أبناءها المبدعين الكبار ممن أشرقت شمسهم الفنية على قابس والجنوب وتونس عامة.

وفي سهرة قابسية بامتياز، استمتع جمهور المدينة بأشعار الشاعر الشعبي الصحبي شعير الذي رافقته في وصلاته الفنية كما ترافقه دوما الفنانة ناجحة جمال، لتردد في أرجاء القاعة أغنية من قلب الصحراء “يا موج البحر أنا ولد الصحاري” وتسرد في طياتها العلاقة بين أبناء الصحراء وعوالم البحار والسواحل.

وكان الفن الشعبي، النمط الموسيقي الطاغي على الحفل، كما هو في ربوع قابس، ولم يكتف الجمهور بلذة الاستماع والغناء بل اهتز المسرح كله لرقصه وصارت القاعة وكأنها “بيت فرح” عائلي، يفرح فيه الجميع ويرقصون أهلا كانوا أم غرباء. وكأم فخورة بفلذات كبدها، قدمت قابس لمن أحبها أو جاء ليكتشفها ابناءها الواحد تلو الآخر، فكان الجمهور على موعد مع الشاذلي الحاجي، ذلك الفنان التونسي الأصيل الذي مهما مرت سنوات على غيابه تبقى أغانيه في البال ويضل صوته وحيدا لا يتكرّر. ومن شيم الأبناء البارين بأمهاتهم أن لا يغيبوا مهما عاكستهم الظروف عن تلبية نداء الأم، وهذا ما كان من المبدع التونسي صلاح مصباح، فرغم المرض وأوضاعه الصحية الصعبة إلا أن حمل جسده على عكازين ومشا ببطء وثبات تعبيرا عن حبه لوطنه الأم وافتخارا بما قدمه طيلة مسيرته وتأكيدا لأهمية موطنه والطاقات المهمشة فيه.

ولم تكتف قابس بتقديم كبار أولادها بل افتخرت بأصغر أبناءها سنا وأكبرهم شعبية بين جيله الحالي، ريان يوسف، ذاك الذي اختار من موروث موطنه الموسيقي ومن أغاني ” النجمة وليالي الحنة” منتوجا موسيقيا حديثا يروجه في اوساط التونسيين أينما كانوا ومهما اختلفوا.

وليست هذه الوصلات الموسيقية بأجواءها الحماسية وبزغاريد النسوة فيها وبرقص الصغار والكبار على نغماتها إلا روحا من قابس، وجزءا من قلبها النابض وريحا من عطرها الشذي الزاكي الذي ما إن حلّ في المدينة حتى ازدانت بحلة بهيّة، ترتديها يوما تلو الآخر، وتقدمها لزوارها في هيئات جميلة، من تونس الأعماق والجهات.

تحميل المزيد من المواد ذات الصلة
تحميل المزيد أخبار

اترك رد